خطبة الجمعة 23 / 12 / 1443 القرآن الكريم فضل الله ورحمته وأحق ما فرح به

 

الحمد لله رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله

فيقول الله عز وجل "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا"

عباد الله وفي خارج المدينة كانت توجد محمية إبل الصدقة والزكاة، وذات مرة وقد قَدِمَ خَرَاجُ الْعِرَاقِ، خَرَجَ عُمَرُ وَمَوْلَى لَهُ فَجَعَلَ عُمَرُ يَعُدُ الإِبِلَ ويَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وهال المولى ما رأى من كثرة الإبل فقال: هَذَا وَاللَّهِ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ لَيْسَ هَذَا هُوَ، فضل الله ورحمته القرآن. يَقُولُ اللَّهُ: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ" وَهَذَا مِمَّا تَجْمَعُونَ يعني الإبل.

جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قوله: وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» هذا القرآن موعظة الله لنا، وهو فضله علينا وفيه تتجلى رحمته بنا. ولذا فأعظم الفضائل وأعلى المنازل هي بهذا القرآن ومعه، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ -أي عظيمتي السنام - فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟» بمعنى تأخذهما بدون مقابل وبدون دخول في تبعات سرقة أو منّة معطي، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» مسلم.

كتاب الله كلام الله هو الشفاء وهو الهداية هو الفضل والرحمة هو التشريع الذي يسمو بالإنسان عن مصاف الحيوان ويصونه عن ضلالات الشيطان، ولا حياة بدون تعلمه ولا تعلم بدون تلاوته، ولذلك فهو أحق ما يُفرح به ويٌعتنى به، وأفضل مكان لتلاوته وتعلمه هو بيت الله. تجلس في المسجد فتتلو ما تيسر لك من كتاب ربك خير لك مما يجمعه الناس من متع الحياة، تتعلم آية من كتاب الله خير لك من كل ما يجمعه الناس لرغد حياتهم، تتلو كلام ربك؟ إذن فأنت تجمع من خير ما يُجمع وهذا هو الاستثمار الأضمن. وتستثمر وأنت في المسجد؟ إذن تجمع وتستثمر وانت محاط بملائكة الرحمة، والرحمة تتنزل عليك ما دمت تتعلم وتتلو. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». وقال عليه الصلاة والسلام: مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ الله تَعَالَى إِلاَّ نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: قُومُوا مَغْفُوراً لَكُمْ} وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» وهذه الأحاديث الثلاث صحاح صححها الألباني وغيره.

كتاب الله شفاء الروح ودواء الجسد، وما فيه من تشريع وتوجيه يجوّد الحياة ويجعلها حياة ماتعة ممتعة لا يُملّ منها ولا يفارقها الأمل ولا يتسرب إليها اليأس ولا الحزن. فكتاب الله وما حواه من قيم وتعاليم هو أحق ما يفخر به وما يفرح به، وبالفرح بالقرآن وما فيه تختبر إيمانك،

جلست فتلوت وتعلمت فما هي مشاعرك تجاه عملك هذا؟

التزمت قيم القرآن ورأيت من يخالفها فما هي مشاعرك؟

عَلِمت وعلّمت القرآن ما هي مشاعرك؟ وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» بقدر الفرح بما أنت عليه مما أمر ووجّه به القرآن يكن قدر إيمانك، وبقدر اعتزازك بما أنت عليه يكن تباهي الله بك. وبقدر بَذْلِكَ لما وهب الله لك من علم وقدرة على التعليم للتلاوة تكن خيريتك على البشرية في زمانك. تعلم القرآن وتعليمه فضل ورحمة من الله ولهذا كانت منّة الله على الناس أن بعث فيهم من يتلو عليهم كلام ربهم ويعلمهم مضامينه،

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه احمده سبحانه واشكره واثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله رسول الله ومصطفاه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

كثيرا ما تلونا هذه الآية "قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ" وكثيرا ما سمعنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في المسجد وتعلم القرآن، وننظر لما مضى من العمر فندرك مقدار ما أضعنا من خير، دقائق في المسجد تتلو كتاب الله كم يا ترى تتلو فيها من الآيات؟ وكم يا ترى يُجمع فيها من الخير؟

كثير بخل على نفسه وحرمها ما تفضل الله به، بهذا القرآن ترتقي القلوب وتسمو وتتزين الأرواح فإذا دخل القرآن قلبا فيفترض أن يدخل كذلك العقل ومن دخل القرآن قلبه وعقله كانت لصاحبه مكانة خاصة عند الله وعند الناس ولذا قال الإمام أحمد رحمه الله: عزيز عليّ أن تذيب الدنيا أكباد قوم وعت صدورهم القرآن. تذيب أكبادهم بأن يحترقوا همّا لأجلها أو انشغالا بها.

هذا كتاب ربنا وهذه حروفه ومعانيه وهذه قيمه وتعاليمه وفضائل الفرح به وفضائل العمل به وتعلمه وتعليمه لا يمكن عدّها في مثل هذا المقام، فلا تفوتك الحياة الجيدة بانشغالك عن كتاب ربك، ولا تفوتك الغنائم والأفراح ببعدك عن كتاب ربك وعن بيت ربك.

هذا القرآن فضل الله ورحمته وهو أحق ما يُفرح به ويعمل به ولأجله، وأحق ما سُعي لنشره وتوسيع دائرة تعليمه ليعم كثيرا من المساجد والأحياء، لا تجلس مجلسا إلا وقد ذكرت الله فيه وصليت على نبيه لتسلم من الحسرة، وكل ما عملت صالحا فتفقد قلبك ومدى الفرح بما قدمت أكثر من الفرح بثناء الناس وإن كانت عاجل البشرى للمؤمن، اللهم اجعلنا من أهل القرآن وانفعنا وارفعنا وزكّ أنفسنا به يا رحمن.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل