الموسم العظيم عشر ذي الحجة خطبة الجمعة 2 / 12 / 1443

الحمد لله العزيز الحكيم، الولي الحميد، المجيد ذي العرش العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله بعثه بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تعالى 

"يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ

ومن التقوى استشعار فضل الله وإدراك مننه التي يواليها على عباده ليزدادوا تقى وليتقربوا أكثر ولتعلو منازلهم أعلى، وهذه الأيام القلائل هي منة ربانية عظمى تتغير فيها معايير التفاضل وتحظى فيها الأعمال بمزيد تقدير من الله جلّ في علاه، هي أيام اختارها الله تعالى وفضَّلها وأحب العمل الصالح فيها يقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ أَيَّامٍ، الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي الْعَشْرَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» ويقول صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ" 

أيام فاضلة محبوبة عند الله وفيها تحضر شعائر التوحيد والحنيفية السمحة الحج والأضاحي وما يتبعهما من أعمال وأقوال، فالموسم موسم العمل الصالح، تعلو فيه أصوات الملبين والمكبرين والمهللين والحامدين. والعمل الصالح هو الذي يُصلح صلتك بربك، ويصلح صلتك بوالديك وبزوجك وبذوي رحمك وبجيرانك وبمجتمعك، كل ما أنتج أثرا حسنا صالحا في قلبك أو في قلب من تتعامل معهم فهو عمل صالح يرجى قبوله ويرجى أن يكون محبوبا عند الله وأن يكون سببا لحب الله لك. 

وتمتاز هذه الأيام المباركة بأن نهارها أفضل من ليلها، فاحرص رعاك الله على استغلال النهار بعملٍ وقولٍ صالح يجعلك من الصالحين المحبوبين، فهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون جعلنا الله جميعا منهم. عبد الله وإذ أيقنت بفضل النهار في هذه الأيام فإن الإجازة والأجواء هذه الفترة تجعل الليل مرغوبا أكثر للأنس بالرفقة والأحبة ولكن قد قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ" وبالتأكيد فغير الزوج والولد من باب أولى، والعداوة هنا هي في الإشغال عن الطاعة وإيجاد عقبة التردد في العمل الصالح، 

فاحذر رعاك الله لا تجعل أحدا يسرق منك أحب الساعات إلى الله فتضيع في نوم أو بلا عمل صالح. هي أيام فاضلة محببة فلنولها من الاهتمام ما يناسبها، وأولى الاهتمام الحفاظ عليها من السراق، وأعظم سارق اليوم هو الهاتف المحمول وتطبيقاته فلنتقرب إلى الله تعالى بالمحافظة على الوقت وبترك ما يسرقه وبالذات تلك التطبيقات التي إثمها أكثر من نفعها والتي لن يفوتك شيء إن تركتها وسيفوتك الكثير إن فتحتها، لنجرب أن نحذف أو نخفي بعضها وان نكتم الاشعارات لما أبقيناه منها، لنحاول ان نتوقف عن الإرسال لكل أحد وعلى كل سبب فكثيرٌ سيفرح بتوقف تلك الرسائل اليومية المزعجة، إن تجربة ترك تلك التطبيقات ستجعلك تشعر براحة ذهنية كبيرة وهي تجربة إن لم تنفع فبالتأكيد لن تضر، والنية بتنفيذها حسنة فإن عُملت كتبت عشر حسنات، نتقرب إلى الله بمحاولة ترك ما يشغلنا عن ذكره وينسينا تقديم زادٍ للحياة الحقة. افتتح الله تعالى سورة الفجر بالقسم بهذه الأيام تنبيها لعظمتها واختتمها بقوله تعالى "يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي" كلٌ سيتمنى لو قدّم أكثر لتلك الحياة الحقة فبادر واحرص واختر العمل الذي تراه مصلحا لقلبك مصلحا لصلتك بربك وصلتك بمن حولك. 

في هذه الأيام عباد الله تهفو النفس لعمل صالح وكلٌ وقدراته وظروفه فينتقي ما يناسبه، وهنا ينشط الحسّاد فإذا علموا صومك لم يرضوا حتى يفسدوا عليك هذه القُربة، فيأتيك قائلا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام هذه الأيام متجاهلا أنه عليه الصلاة والسلام دعا للعمل الصالح والصوم من أفضل الأعمال الصالحة، ولكنه الحسد المتلبس بلباس الحرص. وكذلك من القرب المهمة هذه الأيام ترك أخذ شيء من الشعر والأظافر لمن أراد الأضحية استجابة لطلب النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره:  أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» وفي الحديث الآخر: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» مسلم.

 نعلم جميعا عدم فساد الأضحية وعدم الإثم لمن أخذ من شعره وأظفاره ونعلم جميعا أن المستجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيحظى بثواب عظيم ولكن هناك من لا يرضى لك بنعمة حتى تُرفع عنك فاحذرهم.

في هذه الأيام نتقرب إلى الله بما يُصلح ويُحسن الصلة بالله تعالى والاستغفار من أهم أسباب ذلك وهو من خير العمل الصالح الذي يُتقرب به إلى الله فأكثروا عباد الله من الاستغفار دوما وبالأخص هذه اللحظات

الحمد لله العلي العظيم العزيز الحكيم والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله أذكّر بقول الله تعالى "وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى" وبقوله سبحانه "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" سائلا الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم جلّ جلاله "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ  وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ

فنكثر التهليل والتكبير والتحميد، ونتقرب إلى الله بعمل صالح يصلح قلوبنا وينتج اثرا صالحا في نفوس من نحب ومن حولنا، ونسعى لقطع الطريق على سراق الوقت في هذا الموسم العظيم وأن لا يضيع النهار بسب سهر أو لهو، ونحذر الحساد وما يضعونه من عقبات في طريق العمل الصالح، ونسال الله دوما العون على ذكره وشكره وحسن عبادته 

ختاما عباد الله فحبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم دوما تصله صلواتكم عليه ويردها عليكم وقبله ربكم جلّ في علاه يصلي عليكم عشرا كلما صليتم على حبيبه، والملائكة الكرام يصلون على نبيكم فأكثروا من الصلاة والسلام على حبيبكم الذي تمنى رؤيتكم وسيقف عند الحوض ينتظركم وعند الصراط يتابع سيركم ويدعو الله لعبوركم بسلام.  والصلاة على الحبيب محمد عبد الله ورسوله من خير صالح عمل يقدمه المسلم لنفسه في هذه الأيام الفاضلة اللهم صل وسلم



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل