خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1443
خطبة عيد الأضحى
المبارك 1443
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد،
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، الله أكبر ولله الحمد
حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، اللهم لك الحمد حتى ترضى
ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا.
اللهم نشهد أنه لا
إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير، ونشهد بأن
محمدا عبدك ورسولك أرسلته رحمة منك بخلقك وبشارة لعبادك ونذيرا للأشقياء الذين
أشقوا أنفسهم بالإعراض عن سنته، فصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى
يوم الدين. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد وبعد عباد الله
فيقول الله جلّ في
علاه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"
فاتقوا الله عباد
الله بشكره وبالإكثار من ذكره فأنتم اليوم في أعظم يوم طلعت عليه الشمس، احمدوا
الله واشكروه فكم من نفس تعيش هذا اليوم ولا تدرك عظمته، أنفس نسيت الله فأنساها
أنفسها، فاحمدوا الله الذي هداكم ومنّ عليكم وجعلكم ممن أحب الصلة به سبحانه، فلعل
الله قد جعلكم ممن قال فيهم "فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ"
والمحبُ لربه يحب ويُعظّم
شعائره ويعظّم كل ما يقرّب إليه من قول وعمل، واليوم يومٌ عظّمه الله تعالى وعظّم
ما بعده، ليلة القدر أفضل من ألف شهر، ويوم عرفة خير يوم طلعت عليه الشمس، واليوم يقول
عنه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ
عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» ويوم القرّ هو يوم غد
يوم يستقر الحجاج في منى.
وإذ حلّ هذا اليوم
العظيم فإن كل مسلم لابد وأن يسرح بخياله في ذاك الموقف العظيم يوم وقف عليه
الصلاة والسلام في مثل هذا اليوم مودعا أمته خائفا عليهم راجيا تقبلهم لوصيته
علّهم يُدخلون عليه البسمة يوم يلقاهم عند حوضه فيرحب بهم، وعلّ بسمة الفرح تعلو
وجهه الشريف يوم يجتازون الصراط وهو يرقبهم ويدعو لهم، وعلّهم يعيشون معه الفرح وهم
يسيرون سوية نحو جنّات النعيم. وصّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته فقال:
"إِنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ
يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ
رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي
ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ
الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ
بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ثُمَّ قَالَ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ
مَرَّتَيْنِ"
وكان الصحابة رضوان
الله عليهم يرددون بالدموع اللهم نعم قد بلّغت، وكانوا كلما تذاكروا هذه الوصية شهدوا
له عليه الصلاة والسلام بالبلاغ، ونحن نقول اللهم قد بلّغ نبيك فأعنا على اتباع
وصيته يا رب العالمين واجعلنا من الفرحين به ومعه يوم القيامة. في هذه الوصية عباد
الله يُنزل صلى الله عليه وسلم الجناة منزلة المعتدى عليهم فالدم واحد والعرض واحد
والمال واحد، والاعتداء عليها سبب للضلال ولضرب الرقاب.
في سبيل حماية
الدماء يقول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ،
فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ
لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» مسلم. وهذه وصية وتنبيه
لقائدي السيارات احذر العبث بها ولو كنت محترفا واثقا من قدراتك فلربما زلت بك
القدم حيث لا ينفع الندم، ولربما كانت ردة فعل الآخرين التلقائية خلاف ما تحسبه فتكون
جنيت عليهم وتكون العاقبة حسرة عليك أبد الدهر، واحذر المزاح بآلات الذبح ولو مع
الصغار فلربما طاشت اليد أو قلّد الصغير مع من هو أصغر منه.
وحماية للأموال حرم
الإسلام الغش والاحتكار والربا والسرقة واستغلال جهل وعجز وثقة المشترين وحرم
إدخال اليمين في البيع، والإعلان والدعاية الكاذبة لا يقلان خطرا وجُرما عن الغش
والاستغلال واليمين الكاذبة.
وحماية للأعراض حرم
الإسلام الغيبة والنميمة وأمر بغضَ البصر وحرم التهاون في أسباب الزنا وجرّم
الزنا. وحماية لكل تلك القضايا يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ
يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ
الجَنَّةَ» البخاري.
فالزم وصية رسول
الله صلى الله عليه وسلم وستكون فرحتك فوق ما تتخيل حينما يُفتح لك الطريق نحو
نبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام عند الحوض العظيم، فرحة أجزم أنك تعيشها الآن
وأنت تتخيل ذاك الموقف فتعيش لحظة الاستقبال لك من نبيك الكريم والملائكة حولك
يفتحون لك الطريق، وما ذاك إلا لأنك أحببت نبيك فاتبعته ولزمت وصيته قدر وسعك.
جعلنا الله من
الفائزين الفرحين بنبيهم الفرحين برؤية ربهم جلّ وعلا الفرحين بعيدهم وبعباداتهم.
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
عباد الله هذا
اليوم هو اليوم الأعظم في هذه الدنيا، عظيم لأن الله عظّمه وعظيم لما فيه من تقرب
المسلمين إلى ربهم بهذه الصلاة وبنحر الأضاحي يعلنون بها الاستجابة والتوحيد لربهم،
ويرجون بضحاياهم الثواب لهم ولأمواتهم ولأحيائهم، ويستذكرون بأضاحيهم ثبات الخليل
إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام فيكون ذلك دافعا لهم للثبات فيما هو دون ذلك
من الفتن، والوصية بالأضحية الرفق بها والعناية بها وعدم ترويعها واستحضار قصة
الرجل الذي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ
أَذْبَحَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ
رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ» الحاكم، وصححه الألباني وغيره. فمهما كانت مقاومتها فتعرض لرحمة الله برحمتها، إذ الأمر عليها عظيم وهو عمل
منكم عظيم ترجون به عظيم الثواب.
وفي الأضحية وأيام
التشريق يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ
الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ كَيْمَا تَسَعَكُمْ، فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ بِالْخَيْرِ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا، وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ
أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني وغيره.
وأما التوزيع ثلاثا
فهي من استحباب بعض أهل العلم.
وإذا فرغت من
الأضحية فانتبه لأصدقاء العائلة اهد لهم منها عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: َكَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ:
«أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ» قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا،
فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ! فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
«إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» مسلم.
فجميل إحياء الذكرى
الطيبة لأصدقاء الوالدين والزوج ولكل الأحبة الممكن إهداؤهم، ففي الأعياد تعود
الذكريات الجميلة وتحلو الدعوات الطيبة، والحب بين الأقراد وخاصة الزوجين فضيلة
وهي رزق من الله تعالى فمن حظي به فليحمد الله وليشكره وليرع هذه النعمة نعمة الحب
فيواليها بما يغذّيها كيما تحيا وتستمر. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد أقول ما
تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا
الله أكبر الله
أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة واصيلا وصلى الله وسلم على نبينا
وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
في قضية مشهورة في
كتاب الله كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي خرق سفينة وقتل غلام وبناء
جدار. والعبرة اصمت إذ لم تحط خبرا، واعلم ان الله يعلم ما لا تعلم فالزم ما تعلم
وقف عند ما كلفت به وسيجعل الله لما كرهت فتحا قريبا، واعلم أن كل شيء هيّن على الله
تعالى وأن الله حكيم عليم على كل شيء قدير، فتفاءل وارقب حكمة الله الذي يعلم
الخير أين فيقدره لعباده الصالحين في الظرف المناسب لهم.
عباد الله يقول تعالى "قُلْ لِلَّذِينَ
آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ
فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ"
فاعمل صالحا وتجاوز
عن كثير من الإساءات التي تمر بك، فإن التغاضي والترفع يجلب لك الهدوء، ومصلحة
بقاء الهدوء لا ثمن لها وأقلها تفتح أبواب خير كنت غافلا عنها أو تتفتح أبواب خير
ما كانت لتتفتح لولا هدوءك، ودع المحاسبة ليوم تتفرج فيه بكل هدوء وأمان على عاقبة
من آذاك.
وخالط الناس بالمعروف يقول e:
المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ
المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ. أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني.
في العيد سلّم على
من عرفت ومن لم تعرف، وهنأ بالعيد كل من لقيت، ولا تتأفف من رسائل التهنئة فإنهم
أحبة ذكروك لا يرجون نفعا وإنما وفاء وودّا، فلا تهمل رسائلهم فيهملوك لاحقا. جعل
الله عيدك سعيدا، وجعلك سعيدا فرحا مسرورا وثبتك على طاعته وتقبلك وتقبل منك.
احفظ اللهم لنا
ديننا ووطننا وقيمنا واجعلنا من عبادك الصالحين ووفق إمامنا خادم الحرمين وولي
عهده لما يرضيك وانصر الإسلام والمسلمين تقبل منا ربنا ما قدمنا واغفر لنا تقصيرنا
واساءتنا واجعلنا ممن رضيته ورضيت عمله ورضيت مجلسه هذا فأمرت جلّ جلالك أن يقال
لهم قوموا مغفورا لكم، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك نبينا وسيدنا وإمامنا محمد
بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
تعليقات
إرسال تعليق