الحج فريضة مُعجّلة لمن مكّنه الله الجمعة 4/ 11 / 1443

الحمد لله الملك العلي العظيم، الفرد الصمد العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه، واعلموا أنكم غدا ملاقوه فاختاروا اليوم لأنفسكم سبيل الفائزين الفرحين حقا. عباد الله 

لقد أمر الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بعمارة البيت الحرام في صحراء قاحلة لا ماء ولا شجر ولا أسباب لحياة أبدا ثم أمره بإرسال أسرته الصغيرة هناك، ليتبين فيما بعد أن هذه العمارة وهذه السكنى كانت تمهيدا لحضارة رائدة ولبيئة عامرة بما هو خارج عن كل المقاييس البشرية، إذ كل مقومات الحياة في تلك البيئة محدودة إن لم تكن معدومة، ومع ذلك تهفو لها القلوب وتُبذل الأموال وتُرهق الأجساد لأجل الوصول إليها، ومع أنها منطقة فقيرة بيئيا فإن أمنية السكنى فيها كبيرة خصوصا ممن بيئته بعيدة وحافلة بكل صور الحياة الجميلة، وما ذاك إلا تبيانا لحكمة الله وقدرته سبحانه.

 أمر الله تعالى خليله إبراهيم بالحج، وأمره أن ينادي في الناس بالحج ووعده ببلوغ ندائه لمن يستحقه قال تعالى "وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ" وقال سبحانه "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ" وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ e مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ} البخاري 

فرض الله تعالى على الحنفاء حج بيته الحرام وحثّهم ورغّبهم ووعدهم بتحقيق آمالهم والعون على أداء نسكهم إن أتوا وتعبدوا وفق ما شرع لهم، وتوعدهم إن فرّطوا وتكبروا عما أمرهم، كما وعد جلّ جلاله خليله عليه السلام أن يتفاعل الحنفاء بشوق وحب مع ندائه عبر التاريخ جيلا بعد جيل، وقد استجاب سبحانه لخليله فالناس في كل زمن يفدون من مختلف الأصقاع وبمختلف الأعمار والأحوال لبيته الحرام، والمؤمنون يشعرون باستجابة ربهم لهم كلما زاروا بيته وكلما تعبدوا له وكلما دعوه لحاجة لهم.

 وإن من الخطر المُسلّم به تأخير المسلم أداء فريضة الحج مع قدرته وتمكنه، إذ المرء لا يعلم ما يعرض له في قادم أيامه، فمن استطاع الحج وجب عليه، وإن عُذِرَ على التأخير فإنه لن يعذر على التفريط، قال جل وعلا {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ويقول رَسُولُ اللهِ e: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا» مسلم. وفي الحديث الحسن قوله e: تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ. أحمد وأبو داود وابن ماجة

عباد الله إن التعجيل في أداء العبادة سبب لرضى المولى جلّ وعلا ولذا قال موسى عليه السلام "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى" فالمبادرة سبب لرضا الله، ومن رضي الله عنه فسيرضى هو عن نفسه وعن حياته وعن آخرته وسيجد الرضا ماثلا أمامه في قرة عينه وفي خلق الناس معه. وفي الحديث عنه e أنه قال إن الله تعالى يقول: إن عبدا أصححت له جسمه ووسعت عليه في معيشته تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ لمحروم} ابن حبان والبيهقي وصححه الألباني والأرناؤوط وغيرهما. 

والوفود إلى الله في بيته الحرام يكون بالحج ويكون بالعمرة، فمحروم من حرم نفسه زيارة البيت الحرام مع قدرته وتمكنه. نسأل الله الإعانة على ما يرضيه عنا ونستغفره ونتوب إليه دوما، وفي هذه اللحظة أكثروا عباد الله من الاستغفار فهي لحظة مباركة.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد عباد الله فإذ علمنا وجوب الحج وأهمية المبادرة إليه وخطر التهاون في المبادرة إليه، فإن الشيطان يعرض للمرء قائلا إن الأجواء حارة لا طاقة لك بها فانتظر لطافة الأجواء، وإن تكلفة الحج غالية فانتظر انخفاض أسعارها، ولا حاجة للمبادرة! 

ودرء لهذا الكيد الشيطاني فبالنسبة للأجواء ففي كل المواسم مكة لا تطاق لولا عون الله، وعون الله حق لكل قادم لبيته جلّ وعلا، وأما ارتفاع الأسعار فلست أبرره وأسأل الله أن يرفعه ويرفع الغلاء كله في جميع مناحي الحياة، وإنما أقف كثيرا عند إعلان البنك المركزي السعودي والذي ذكر فيه أن الأسبوع الثالث من شهر شوال – أي قبل نزول الرواتب التي يُشتكى من تأخرها - قد أُنفق فيه من قبل المستهلكين على المقاهي والمطاعم فقط وخلال أسبوع واحد فقط أكثر من مليار وستمائة مليون ريال، وأما خلال الشهر كاملا فقد بلغ الإنفاق عليها قرابة 6 مليارات مع تبرير عجيب من المنفقين لارتفاع أسعار تلك المطاعم والمقاهي وهي التي في عمومها تضر ولا تنفع، بل وتوحي بأن البيوت خالية من أهلها ومخازنها خالية من الأطعمة، وإن ذهبت تستعرض ما ينفق في باطل ومضر وما ليس بضروري ستجد هدرا اقتصاديا لا يتصور، نعم أسعار حملات الحج غالية ولكن النفقة في أداء الحج وغيره من سبل الخير والنفقات الواجبة معوّض بخير أما تلك النفقات التي لا يؤبه لها ولا يرجى عوضها فإن لم يؤزر المنفق فلن يؤجر في الغالب الأعمّ. 

والمراد أنه ليس ثمة مبرر لمؤخر الحج أو لمنقطع عن البيت الحرام بسبب غلاء الأسعار، إن كان ممن ينفق بغير حساب على ما ضره أقرب من نفعه وما أكثرهم.

 واعلموا أنكم في أشهر حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، واصنعوا الفرح لأنفسكم في دنياكم وفي أخراكم لا تخسروا أيا منهما وكل على نفسه بصيرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل