خطبة الجمعة 5/ 10/ 1443 الزاد الرباني بعد رمضان
عباد الله يخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن حوار عجيب عظيم بقوله "فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ"
أقسم إبليس لعنه الله بأن يضل العباد فقابله الله تعالى بتكذيب له وإبطال لقوله وأنه ليس له سلطان على عباد الله، وإن كان ثمة سلطة له على أحد فهي سلطة على غير عباد الله وإنما على الذي يتولونه ويشركونه في الأمر والنهي. وفي تغذية ربانية للمؤمنين حتى لا يتقوى عليهم الشيطان أمدّهم جلّ وعلا بالمواسم الخيّرة والمواقف المختلفة ذات العبر المتنوعة، يتزودون بها إيمانا وهدى وتقى وعملا صالحا ومشاعر إيمانية تجعل قلوبهم حيّة يقظة
" إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ"
إخوانهم الذين ينطقون بلسانهم ويعيشون بين أظهرهم لا يدّخرون وسعا في نشر الغيبة والنميمة والرذيلة يسعون لإفساد القيم والأخلاق والصلة بالله تعالى، ولكن المؤمن إن استحسن شيئا من باطلهم ومال شيئا قليلا معهم سرعان ما يتذكر وينتبه ويبصر الحق من الباطل فيبادر للتوبة والاستغفار وترك مجالس ومظاهر الباطل.
أقسم سبحانه وتعالى بشيئين عظيمين فقال سبحانه وتعالى "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" يوم القيامة يوم عظيم أخفاه الله تعالى لعظمته وفيه يحاسب الخلق على أعمالهم، والنفس اللوامة نفسٌ عظيمة زكية طاهرة نادرة تحاسب صاحبها كلما أخطا وقصّر، تحاسبه كلما فوّت مصلحة راجحة، أقسم الله بهما وساوى بينهما، فهنيئا لمن حاز نفسا بحجم يوم القيامة أهمية ووزنا عند الله تعالى. نفسٌ ترقب ذلك الإعلان والإصرار الشيطاني وتحذره وتسعى للفكاك منه، تعلم النفس المؤمنة اللوامة أن الشيطان اللعين يُنصب لها فخاخه في كل حين، وبطُعم مغري وسهل الوصول إليه، وهي لابد واقعة في الفخ ولكن الله مدّها بزادٍ تقى وهدى يجعلها تتعافى من ذلك الفخ سريعا إن أرادت، زادُ تقى وهدى يجعل الشيطان مدحورا كلما ظفر من عبد الله وأمة الله بخطأ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ e فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ. مسلم.
أي اعمل ما شئت ما دمت لا تشرك وما دمت تتوب وتستغفر، وقد قيل للحسن البصري رحمه
الله: ألا يستحيي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود،
فقال: ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار، يتوب ويستغفر وإن
عاد مراراً. فقيل له: إلى متى؟ فقال: حتى يكون الشيطان هو المدحور. خذوا رعاكم الله
من رمضان زادا للتوبة والبقاء ضمن عباد الله، واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر
لكم
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن لهديه اتبع واقتفى وبعد عباد الله، فلقد مدّنا ربنا تبارك وتعالى في رمضان بزادِ هدى وتقى علينا أن نحافظ عليه وأن نغذَّيه بأسباب نمائه التي عشناها في رمضان، وما مثل تلاوة القرآن مغذيا للإيمان فاجعل لك نصيبا من تلاوة القرآن، نصيب لك أنت منها وليس لها منك.
وصلاة الجماعة احذر التهاون فيها ولو أفتاك من أفتاك فالله تعالى أمر بها في حالة الحرب والنبي e لم يعذر الأعمى وهو في طرف المدينة، وأدلة وجوبها أكثر من أن تذكر في هذا المقام، وتخيل كم مرة بشّ الله تعالى لك وأنت قادم للمسجد، وكم مرة استغفرت الملائكة لك ودعت لك وأنت قادم للمسجد، فلا تفرط في ذلك.
حافظ على صلاة الوتر لا تتركها أبدا ما دمت قادرا، والسنن الرواتب حاول أن تتمسك بها فلك بها بيت في الجنة، وهي أشبه ما تكون بجابرة للخلل والنقص في الفرائض.
وصيام ست من شوال لا تفوّتها على نفسك، وحاول إن تيسر لك أن يكون لك صحبة للصوم ما لم يلحقك تعب وضرر بذلك.
تذكر أنك عبداً لله وأن الشيطان عدو لك قد أعلن لربك انه سيضلك والله جلّ وعلا وعده بالخذلان معك، فكن عونا لنفسك على الشيطان، وعونا لنفسك على أن تبقى عبد الله وتحت سلطانه، وألا تجرك نفسك الأمّارة بالسوء للسوء فتغلب نفسك اللوامة التي وهبك الله، أعن نفسك اللوامة بالتوبة والاستغفار.
احذر أن تعلق رقبتك برحمة الناس ومغفرتهم فلئن كان الله غفورا رحيما فالله وصف الناس بقوله "وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ" فلا تظلم ولا تسلب حقا ولا تفرط في واجب هو حق عليك لغيرك فقد لا يعفو فلا يعفو الله، فكن على حذر وحافظ على الهدى والتقى الذي خرجت به من رمضان.
الزم الدعاء وحسّن معيشتك به وارتق في الآخرة به، ولا تنس والديك ادع لهما أحياء أو أمواتا فذاك برٌ عظيم منك بهما، وارفع يديك عند الدعاء حتى لا يكون دعاء عابرا وعند رفع اليدين ستشعر بمشاعر إيمانية تجعلك تستزيد منه ولا تبالغ في الرفع وكن كنبيك وحبيك حين رفع يديه بالدعاء.
طهر قلبك فذاك سر دخولك الجنة، وتذكر أن الله تعالى قد نبأك بأنه غفور رحيم وأن عذابه عذاب أليم وأنك ستلقاه ولك بشرى عند اللقاء إن حفظت الإيمان ولزمت عملا صالحا وأكثرت التوبة والاستغفار.
ثم صل وسلم على من نصح لك
واشتاق إليك ويرقب سلامك ليرده عليك نبيك وحبيبك وسيدك محمد بن عبد الله
تعليقات
إرسال تعليق