ختام رمضان 1443

الحمد لله الملك العلي العظيم، خلق خلقه وجعلهم خلائف بعض يتعاقبون على الأرض جيلا بعد جيل، وجعل الليل والنهار آيتين يدرك بهما الخلق أن الحياة لا تتوقف وأن الرحيل يقترب وأن ما يمر لا يعود. أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فيقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

وها نحن عباد الله في محطة وداع رمضان، نحمد الله ونشكره أن بلغنا وأن هدانا وأن أعاننا ونستغفره سبحانه مما فرّطنا وقصّرنا وأسأنا، ونسأله جلّ جلاله أن لا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا وأن يتقبل ما قدمنا ويُعظم لنا الأجر فضلا منه ورحمة وبِرا. نراجع أنفسنا عباد الله منذ دخل علينا رمضان إلى الآن!

 كم من عذر أوهمنا به أنفسنا في أخطائنا وتقصيرنا؟ 

كم لحظة مرّت بنا عبثا كان يفترض أن تكون عبادة نكسب بها أجرا؟

 فكل لحظة نتعبد فيها هي عبادة، وكل لحظة نتخذها عونا لعبادة هي عبادة، وكل لحظة نكسب بها قلوب أولادنا وأسرتنا وأحبتنا هي لنا عبادة، وكل لحظة تمر بنا لا نأثم فيها هي لنا عبادة، فكم من عبادة فرّطنا فيها؟ 

عباد الله لئن ترحل رمضان فقد بقي خير كثير، بقيت فرصا عديدة لا يُفرط فيها من أدرك عظمة الزمان وعظمة ما ينتظره في قادم الأيام. ننظر لما مضى، وننظر لأوهام نوهم بها أنفسنا ثم نتذكر وصايا ربنا جلّ وعلا  "يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ" "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا"  "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"  

وصايا ربانية لا تحصى بالحذر من الشيطان، فمن هو الشيطان؟ 

هو كل من بعُدَ عن الحق ويريد صدّ الناس عنه، سواء أكان من الجن أم من الأنس، هو كل من يريد حرمان المسلم من فضل ربه فيصده عن أسباب الفوز ويخدعه بأوهام زائفة حول حاجة النفس للمرح واللهو أو الرزق. 

عباد الله هذا رب أسرة وعد أسرته بهدية وحدد ساعة لتوزيعها، وأحد أفراد هذه الأسرة يستكثر هذا الطلب ولا يريد أن يغيّر من برنامجه ولا أن يقطع جلسة أصحابه ثم يريد هديته كما بقية أفراد الأسرة! أظن لسان حال الكثير يقول بأنه لا يستحق، وإن أعطاه رب أسرته شيئا فيفترض ألا يكون مساويا لغيره. ولله المثل الأعلى وعد رب العالمين عباده المؤمنين بعطاءات في شهر رمضان وبعطاء في آخر كل ليلة وبعطاء صبيحة يوم العيد وبعطاءات لا تتوقف ولا تنقطع مع كل صلة به سبحانه وتعالى، وذلك فضل الله والله ذو الفضل العظيم، ولا يمنع فضل الله على العبد إلا نفسٌ عصية متمردة يقول e: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى. البخاري نستقبل هذه الليلة ليلة وترية مهمة ليلة 29 قد تكون ختام ليالي رمضان فهلاّ تعرضنا لفضل الله فيها؟ وهلاّ ختمنا شهرنا بما نراه مرضيا لربنا؟ وهلاّ كنا عونا لبعضنا على الفوز بفضل الله وتدارك ما فات بما بقي. "سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته 

الحمد لله العلي العظيم، غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله، وأشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد عبده ورسوله النبي الأمي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله 

فما من دين يدعو للفرح والبهجة كما دين الإسلام، يُعنى الإسلام بصناعة الفرح والأنس دوما، حتى في اللقاءات العامة يدعو للسلام وللابتسام كي ينتشر الفرح والأنس بين الناس، وخصص يومين في العام كي يعم الفرح جميع الناس، وفي رمضان فرض على كل نفس مسلمة ولو لم تكلف بالصيام زكاة تقدمها بين فرحتها بالعيد كي يفرح الجميع، ألزم الجميع كي يعلم الجميع الصغير والكبير بدوره في صناعة الفرح لمن حوله، في الأعياد حرم الإسلام الصيام كي يكتمل الفرح، والفرح لا يكمل بدون الطعام، ولذا فرضت زكاة الفطر من الطعام، زكاة الفطر تعنى بعيد الفطر فقط ولا علاقة لها ببقية أيام العام ولا علاقة لها بأية اعتبارات أخرى يراها الاقتصاديون وغيرهم، ولا اعتبار فيها للتجاوزات الخاطئة التي يمارسها مستلم الزكاة لرغبته في المال، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ e فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ. مسلم

فقد فرق رسول الله e بين زكاة الفطر وزكاة المال، إذ المستهدف المتعة والفرح في العيد وأبلغ صوره هو الطعام، ولو أخذ الفقير مالا بدلا الطعام لحجب الفرح عن أسرته بخلا بالمال بخلاف الطعام. 

ويفترض أن تتنوع الزكاة في زماننا هذا بين الأرز والتمر فهما مطعومان محبوبان لدى الجميع. وإننا إذا نظرنا لحكم زكاة الفطر وجدناه فريضة على كل نفس بما فيهم الصغار، فحبذا أن يشعر الصغار بدورهم في هذه العبادة فيقال هذه زكاتك وهذه زكاتكِ وزكاة فلان وفلانة، ويصحبوا حين إخراج الزكاة أو تسليمها للجمعية، كي يستشعروا دورهم في مجتمعهم ودورهم في صناعة الفرح ويعتادوا حب العطاء والبذل فيكون سلوكا لهم يصحبهم في كل مراحل حياتهم. وتخرج زكاة الفطر قبل صلاة العيد بيوم أو يومين، ومن تعذر عليه إخراجها بنفسه فالجمعيات الخيرية تتوكل عنه وتتولى إخراجها بنظام دقيق ومميز. 

عباد الله كان رسول الله e يأمر الناس بالخروج لصلاة العيد رجالا ونساء حتى الصغيرات وحتى الحيّض، وذلك فرحا بالعيد وفرحا بإتمام الصوم وشهودا لدعوة الخير، فاعتنوا رحمكم الله باصطحاب أهاليكم لصلاة العيد . اعتنوا  بعطاء ربكم هذه الليلة وكل ليلة وبانتقاء زكاة الفطر من النوع الجيد واصنعوا الفرح لكم ولأحبتكم يوم العيد وكل يوم، ثم صلوا وسلموا على من علّمنا كيف يصنع الفرح في الأسرة وفي المجتمع بالرغم من مشاغله واعباء رسالته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل