خطبة الجمعة 12 / 10 /1443 بعنوان ( شهر شوال شهر البركة والتفاؤل)
الحمد لله الملك العلي العظيم، بيده مقاليد السموات والأرض يدبر الأمر ويختار، ويحب سبحانه من عباده حسن الظن به حسن العمل له المؤمن به جلّ جلاله المخلص له دينه، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فيقول ربنا تبارك وتعالى "۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ"
المؤمنون يدركون أن كل ما يأتيهم من ربهم خير، ويتفاءلون بأن كل ما سيأتي هو خير، ويثقون بأن الخير مصاحب لهم في دنياهم وفي أخراهم ما دامت التقوى تخالط قلوبهم وتردهم كلما أخطأوا، فهم يُغذّون التقوى بأسبابها ما استطاعوا لذلك سبيلا، ويُكثرون التوبة من كل ذنب علموه أو جهلوه.
عباد الله وفي زمن يشتكي في الجميع من سرعة ترحل الليل والنهار، وفي زمن أصبحنا لا نأمن فيه رسائل الإعلان عن موت الفجأة للأحبة، يمرّ بنا شهر شوال كما مرّ عشرات المرات، وأيامه تمضي كما مضت كل المواسم والأعوام وكأن لم تكن، مرّت سريعا لدرجة أننا لا نستوعب أننا عشناها، شهر شوال يستبطئ الكثيرُ مرور أيامه كأنهم في عراك مع الحياة كل لحظاته! وتكثر السخرية والتعليقات حول بطء مروره ولكلٍ تبريره، ولكن الحقيقة هي عدم استشعار قصر العمر، وعدم إدراك أن كل يوم محسوب، وعدم الوعي بأن الأجل يقترب أكثر وأن الزاد قليل، وكذلك عدم الإحساس بأن الفرص تمر ولا تقف، فحري بنا استغلال الوقت لما هو متطلب لحياة أفضل في الدنيا وفي الآخرة بدلا من التذمر بطول الوقت.
وقد جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: " قَالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. البخاري. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: " يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا. مسلم.
مشى المعافى بن سليمان أحد علماء السلف مع صاحب له، فالتف إليه صاحبه عابسا متذمرا وقال ما أشد برد هذا اليوم! فقال له المعافى وهل استدفأت الآن؟ قال: لا، قال فماذا استفدت من الذم؟ لو ذكرت الله لكان خيرا لك.
أظهر التفاؤل والإيجابية في منطقك وفي عملك، وتجنب التذمر والتشكي والخوف مما لم يأت، كن إيجابيا فتفاءل كم كان إمامك وسيدك رسول الله e، كان يعجبه الفأل الحسن، ويستغل الأسماء الحسنة لبث الطمأنينة ولنشر التفاؤل وحسن الظن بالله.
عباد الله كانت بعض طوائف العرب ولا زال بعض من الناس في زماننا يتشاءمون بشهر شوال ويكرهون إجراء عقد الزواج فيه! ولأن التشاؤم خلق ذميم يتنافى مع قيم الإسلام ومبادئه فقد قام رسول الله e بإبطال هذا المعتقد الفاسد عمليا فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ e فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ e كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ» مسلم. وهذه دعوة لكل مسلم رأى أنه عمل عملا صالحا في رمضان أن يتفاءل بأن الله قبِله وبارك له في عمره، ومن آثار البركة هذا الاستشعار بالوقت وأن كل مشروع ينطلق في شهر شوال محفوف بالبركة وأهم مشاريع الحياة، الزواج فحثوا اولادكم عليه وهيئوا الأسباب لإقبالهم عليه وكونوا عونا لهم لاستمرار حياتهم الزوجية في أفضل صورها.
ولمن يستبطئ شهر شوال، أولسنا نشتكي من سرعة مرور الوقت؟ فلما الآن نستبطئ انتهاءه؟
ألأجل اختلاف نظام الحياة السريع واضطراب النوم بين رمضان وما بعده؟
ليكن هذا سببا في إعادة ضبط السلوكيات الأسرية خلال رمضان وأيا العيد.
أم لأجل الرواتب؟ لماذا نشعر بأنها تتأخر في شهر شوال؟ ألأجل الإنفاق غير المبرر فترة العيد؟
ليكن هذا سببا لمراجعة سلوكنا في الترفيه والتجمل والإهداء؟ ولنجعل من شهر شوال شهر التفاؤل وشهر حسن الظن بالله تعالى، وشهر استغلال حسن الصلة بالله تعالى لجلب بركة أكبر في حياتنا، ولنقارن انفسنا اليوم بأنفسنا العام الماضي فإن كان ثمة جديد بخير فلنحمد الله ونسأله الإعانة والتوفيق وإن كان لا جديد فلننتبه لكم الفرص التي أضعنا ولننتبه لسلبيتنا في معيشتنا ولنسأل الله الإعانة والتوفيق للأفضل. ولنكثر من التوبة والاستغفار
تعليقات
إرسال تعليق