دخول العشر الأخيرة من رمضان 1443
الحمد لله المبدئ المعيد جاعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله واحذروا علمه سبحانه واطلاعه واحذروا ملائكته الكتبة واعتنوا بسجل أعمالكم املأوه استغفار وذكرا وعملا صالحا واغسلوه عما شابه من خطأ وتقصير باستغفار وتوبة وعزيمة على الأفضل،
واعلموا أن ربا وسعت رحمته كل شيء وفضله عمّ كل شيء، سيقابل إقبالكم بإقبال أفضل منه، وسيقابل ذكركم بذكر أفضل منه، وسيبدّل سيئاتكم حسنات بعد كل توبة نصوحا.
وإن من فضل الله ورحمته وسابغ فضله أن ينادي عباده كل ليلة هل من مستغفر؟ فاغفر له، هل من سائل؟ فأعطيه، هل من داع؟ فأستجيب له،
ومن رحمته يرسل ملائكة تتبع مجالس الذكر وتحفّ أهلها وتنقل خبرهم لربهم وهو أعلم بهم. ومن رحمته جلّ وعلا وسابغ فضله يهب عباده الفرص المتتالية ليتزودوا ما يقربهم ويعلي درجتهم، وقد أطلت الفرصة الكبرى وحلّت النعمة العظمى العشر الأخيرة من رمضان، جعل الله ما قبلها تهيئة لها، وضمّنها ليلة مستنيرة بأنوار الرحمات عامرة بالخيرات مليئة بالملائكة الكرام تتسابق للأرض تشارك المصلين مجالسهم وذِكرهم وتؤمن على دعائهم، وتتوسل إلى خالقها أن يغفر للمؤمنين وأن يجمع شملهم في جنات النعيم. فأي نعيم يُهدى لنا؟
وأي شغل يشغلنا ويلهينا ويصدنا عن هذه النعمة وهذه الفرصة؟
كلنا ذوو خطأ وكلنا ذوو تقصير، كلنا يعلم رحمة الله وفضله، وكلنا ندرك قيمة هذه الفرصة، وكلنا لا نريد حسرة ولا ندامة، فلم نتهاون ونفرّط.
اعلم رعاك الله ان كل خير ينتظرك مربوط بما في قلبك تجاه ربك وتجاه عباده، فاختبر قلبك هذه الليالي الزاهرة ففيها القدر وفيها فصل المقدر من اللوح المحفوظ، وبحسب قلبك وعملك تنال الخير أو يصرف عنك،
اعلم أن كل تقصير هذه الليالي هو جناية منك على نفسك وكل تأخر فيها هو إبعاد منك للخير عنك، لا تلم الشيطان ولا تلم وسائل الإعلام وبرامج التواصل، بل لم نفسك وحاسب نفسك وتبصّر في حالك، "بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ" يقول تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" ويقول سبحانه "حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ" أتعرف كم يعادل ألف شهر؟ أكثر من ثلاثة وثمانين سنة! عبادة ليلة ستجعل عمرك كله لك خير، ليلة هي خير لك من كل ما مضى وما سيأتي إلا ليلة مثلها، ليلة مباركة من وفق إليها سرت البركة في كل شأنه، فيها يُفصل كل قضاء مكتوب في اللوح المحفوظ ويسلم للملائكة للتنفيذ، فما فصل وميّز لك وأنت في حال رضيها منك ربك فيا سعدك بحال ترضيك وتسعدك. فأدرك الفرصة لا تفوتك، وادرك عمرك لا يقلّ زادك، وتغانم ما وهب الله لك ويسر لك فخذ منه بنصيب وافر، ولا تكن ممن ذمّهم الله في تهاونهم بهذه الليلة فقال فيهم، " بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ" لعبنا كثيرا ولهونا كثيرا فكفى تفريطا نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته
الحمد لله كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا. مسلم.
هذه الليالي الزاهرة هي سوق النجاة من الحسرة والندامة، هذه سوق من أراد المنازل العالية في الجنة، ليالي لا تشاركها في الفضل ليالي السنة كاملة، ليالي فيها المغفرات والرحمات والخيرات معروضة لمن شاء أن يأخذ، لا أحد يُرد ولا أحد يُمنع، ومحو الذنوب والخطايا متاح لكل من يرغب، والصعود في منازل الجنان معان عليه كل مشمّر،
فأقبل وسابق فالله وعدك العون والقبول.
همّك أمرٌ ما ارفع يديك لربك،
تخشى خطأ يبعدك استغفر ربك،
ترجو خيرا يصلح شأنك توسل لربك، فالرب قد فتّح أبوابه المفتّحة أكثر وأكثر،
لا تفوتك المساجد هذه الليالي فثمة مصلين ومصليات لو أقسموا على الله لأبرهم وثمة ملائكة كرام تحضر وتؤمن، فادرك الفرصة لا تفوّتها، ولا تطرد الملائكة عنك بسوء فعلك، ولا تتسبب على نفسك في أن يعرض عنك ربك. أقبل يقبل عليك ربك، وبادر يبادر إليك أسرع منك.
ليلة القدر يرجح الكثير أنها ليلة سبع وعشرين ويؤمن الجميع بأن استغلال كل الليالي التسع ضمانة بأن لا تفوّت، ستسمع من يُوثق به ومن لا يوثق به يحدد ليلة بعينها فلا تثق إلا بنفسك فنفسك أولى بك،
ستجد في هذه الليالي من السرور والانشراح ما يجعلك تحتقر كل سرور مضى. لأن هذه الليالي مهمة والفضل فيها لا يعوّض فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر. مسلم.
فاستعن بالله ولا تعجز تذكر خطأك وبادر فاستغفر، تذكر ما مضى كيف مضى فعالج الحاضر فإن غدا سيكون مما مضى.
ناد نفسك بكفى ما مضى واحذر التفريط فهو قرين الحسرة والندامة. الصلاة والصدقة والذكر والتلاوة والاستغفار والتوبة أسباب الفوز فلا تفوتها في هذه الفرصة.
في رمضان والعشر الأخيرة منه يحسن البر والإحسان، وأولى الناس بالبر الوالدين والأقربين، وأفضل البر دعاء للوالدين وللراحلين من المحبين، فبر من له حق وأسعد من تحب بالدعاء اهد لهم دعاء يسعدهم ويعود عليك بسعادة أكثر. فادع لنفسك ولوالديك ولمن تحب ممن رحل وممن لم يرحل فاعظم بر هو الصلة وأعظم صلة هي الدعاء.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رمضان، فقال رسول الله "إنَّ هذا الشهر قد حضَركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حُرمها فقد حرَّم الخير كله، ولا يُحرم خيرَها إلا محروم. ابن ماجة وحسّنه الألباني وغيره وتذكر رعاك الله أن نبيك الحبيب محمد مشتاق لك يتمنى رؤيتك وما أعظم فرحته بك حينما تقبل عليه عند حوضه وما أعظم فرحتك حينما تراه وسيقف خيالك عاجزا عن تصور موقف أخّاذ حينما تسير معه نحو أبواب الجنة، فالزم سنته إذ لا سبيل للقاء به إلا بها وأكثر من الصلاة عليه كل حين وبالأخص يوم الجمعة وكل لحظة فاضلة.
تعليقات
إرسال تعليق