القرآن الكريم وشهر رمضان 1443
فاتقوا الله فبذلك وصاكم وأمركم وأحب منكم ربكم سبحانه وتعالى، يحذركم جلّ وعلا فيناديكم "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" ويقول سبحانه " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" عباد الله لقد جمع الله تعالى لنا اليوم بين عظيمين وعظّم سبحانه من شأنهما وعظّم قدر من عظّمهما، شهر رمضان والقرآن.
أما رمضان فشهر صيام عن المباح من الطعام والشراب والنكاح وعن كل حرام، نصوم تعبدا لله ونصوم تقربا لله ونصوم رجاء ما عند الله ونصوم تعظيما لما عظّم الله.
وأما القرآن فهو سر الرقي وسبيل القُربِ وسببُ الذِكر من المولى للعبد، وهو سُلّم الصعود في المنازل العالية من الجنة العالية. فلا يفوتك رمضان ولا يفوتك القرآن لتفوز بالعظيمين فتكون عظيما في الدارين بإذن ربك العلي القدير.
يقول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» مسلم. ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» الترمذي وصححه الألباني.
أرأيت تلك الأوراق البيضاء الرخيصة تبقى أوراقا بلا قيمة ما دامت فارغة فإن دوّن فيها القرآن الكريم أصبحت أوراقا محترمة ذات قيمة عالية يجب احترامها وتوقيرها ورعايتها وتقديمها، فإن بليت واهترأت ولم تعد أهلا لاحتواء القرآن الكريم وجب إتلافها بما يُبقي للقرآن احترامه وتوقيره. وهكذا الأرواح البشرية كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها ولا قيمة لها إلا بما تحويه من قيم القرآن الكريم حتى ولو لم تكن مسلمة، فإن جمعت الروحُ المؤمنة الأحرفَ والخلقَ القرآنيين عظم قدرها وعلا شأنها وارتفعت درجتها، ووجب على المؤمنين احترام وتقديم صاحبها، وتبقى مرتفعة حتى يرحل الجسد بها أو تسقط أخلاقها، والله في كلا الحالين يتولى أمرها، ومن حمل القرآن وسقط خُلقه فلابد أن يكرّم الله كلامه ويمحوه من تلك الروح ويحط من شانها عياذا بالله تعالى.
رمضان شهر القرآن وكلاهما عظيم عند الله وعند المؤمنين وقد اجتمعا فلنأخذ منهما بنصيب وافر. للقرآن أثره الظاهر في النفس إن حوته، وأثره قلب نقي وخلق حسن وإحسان للآخرين، ومن لم يظهر عليه خلق القرآن فليس له في القرآن حق وإن ادعى حفظ حروفه. ألم تر قول الله تعالى " إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا" وقوله سبحانه "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ" وقوله جلّ شأنه " لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"
مظاهر سلوكية في مختلف الجوانب الحياتية يأخذك إلى القرآن الكريم إن أخذته حرفا وخُلقا. فلنأخذ القرآن في رمضان ولتأخذ أرواحنا زادها من القرآن وليكن أثر القرآن ملموسا منّا لدى الآخرين فيما يسمعونه ويرونه ويجدونه منّا.
الحمد لله كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه وأشهد أن لا إله إلا الله جلّ شأنه وأشهد ان محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه عليه صلوات الله وسلامه وبعد عباد الله
فللارتباط الوثيق للقرآن برمضان كان جبريل ينزل كل رمضان يدارس نبينا الحبيب القرآن الكريم، وكلما زادت تلاوته ومدارسته عليه الصلاة والسلام للقرآن لاحظ الناس من حوله مزيد جمال في خلقه، كرما لهم وبذلا لهم وتحملا لهم وصبرا عليهم.
اليوم هو الثالث عشر من رمضان فكيفك عبد الله مع القرآن؟
كم معدل تلاوتك اليومي؟
هل ختمت المصحف؟ لا عذر لك فمصحفك يتنقل معك عبر هاتفك، وفراغك أكثر من شغلك، ولا متحكم في وقتك سوى هواك وشهواتك. فلا عذر لك في تأخرك عن ختم تلاوة كتاب ربك.
اتل كتاب ربك، تتودد به لربك وتُعلي
شأنك وترفع درجتك وتُحسّن من خلقك وتنأى بنفسك عن السوء والفحشاء، زاحم به الأهواء
الفاسدة وبه اطردها عن قلبك. لك بكل حرف عشر حسنات ولك بكل خلق تكتسبه منه منازل
الصديقين. في مكة وحينما كان المشركون يتهمون النبي eبالسحر والكهانة جاء عدو الله الوليد بن المغيرة إلى رسول الله
e مريدا اختبار تلك التهم فقال للنبي e: اقرأ علي، فقرأ عليه ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) قال: أعد، فأعاد النبي e فقال: والله، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن
أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر.
عدو لله استمع بوعي وتدبر فخرج وهو كافر بتلك النتيجة! فما
بالك بمسلم يقرأ وهو يعلم المتكلم المنزل ألا يجدر به أن يتفكر ويخرج مع كل تلاوة
بفكرة وملحظ جديدين؟ يقول الله تعالى لنبيه الحبيب " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" لما سئلت عائشة t عن خلق النبي e قالت: كان خلقه القرآن.
فلنتبع الحبيب في التخلق بالقرآن مع أنفسنا ومع خالقنا ومع أهلنا ومع الناس من حولنا ومن بَعُدَ منهم عنا، وليُعن بعضنا بعضا على التخلق به، يحبنا ربنا ويُلحقنا بنينا ويشفّعه فينا. ولنتذكر كيف أن الأوراق رخيصة الثمن تغدو محترمةً مُحرّمةً مُقدرةُ مصانة بهذا القرآن وأننا أولى به منها.
تعليقات
إرسال تعليق