الصدقة والزكاة وشهر رمضان 1443

 الحمد لله الملك العزيز الحكيم واسع الفضل والعطاء الغني الكريم أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام النبيين وخاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد عباد الله 

فينادينا ربنا تبارك وتعالى لنستعد ونحذر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} 

ذلك الغد هو يوم تغرغر الروح والملائكة صافّة من حولنا تنتظر الإذن لها إما ببشارتنا وأخذ أرواحنا، ذلك الغد هو يوم تأتينا أعمالنا في قبورنا تسرنا وتؤنسنا، ذلك الغد هو يوم يقف الجميع تحت لهيب الشمس فمنا من يستظل تحت العرش أو يستظل تحت سورتي البقرة وآل عمران أو يستظل تحت صدقته، ذلك الغد يوم تعرض الناس على جهنم والأنبياء على جنبات الصراط يدعون اللهم سلّم اللهم سلّم { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } فيسقط الكثير فيها ويتقيها البعض برحمة الله ثم بصالح عمله يقول عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ t قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ} البخاري. 

ذلك الغد هو يوم تخرج من لقاء ربك بكتابك فرحا مسرورا تبشّر أهلك وأحبتك "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا" هذا هو الغد، واليوم بأيدينا أنفوز بهذا الفضل غدا أو نخسره ونندم. 

عباد الله يقول الله تعالى "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ" 

نطمع ونثق في رحمة الله ولكن نخاف خطأ وغفلة وتقصيرا توبق ما قدّمنا أو بعضه، ونعيش حياتنا متأهبين لمواجهة صعاب وتحديات، والنفقة في سبيل الله تصون العمل وتنميه وتحفظ صاحبها من غوائل الدهر، والمُحسن جلّ جلاله يحب المحسنين من عباده الذين يعرفون صفاته من رحمة وتفضل وتكرم فيتقربون إلى ربهم بالتخلق بهذه الصفات مع غيرهم. 

عباد الله وفي رمضان حيث الأرواح متسامية نحو ربها يحلو الحديث عن إمامنا وسيدنا ومعلمنا محمد بن عبد الله عليه صلوات الله فإنه في رمضان له حال مميزة مع النفقة في سبيل الله لعلمه بأثر النفقة في صيانة الصوم وفي صناعة القبول للعمل المقدم. 

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ e أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ ‌الرِّيحِ ‌المُرْسَلَةِ. متفق عليه. ‌‌كيف تجود تلك الريح المرسلة من ربها بالخير؟ وكيف يستبشر الناس بتلك الريح المرسلة؟ هكذا كان رسول الله e وهكذا كانت الناس تعرفه وتستبشر بالخير إذا رأته خصوصا في رمضان حينما يكون للقرآن شأن خاص معه، وهكذا يجب أن يكون المؤمن ما استطاع لذلك سبيلا خصوصا في رمضان حينما يعمر القرآن القلوب.

 يقول الله تعالى "وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۢ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَ‍َٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ" ويقول e: مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي ‌أَحَدُكُمْ ‌فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَه. متفق عليه. هل تخيلت أن الله قبل منك فصار عملك ينمو بغير حساب منك حتى يكون أعظم ما يكون وذاك بسبب نفقة يسيرة تقربت بها إلى الله في المجال الذي أحب وللمستحق الذي حدد سبحانه.

الحمد لله العلي العظيم الملك البر الرحيم والصلاة والسلام على النبي الأمي سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد عباد الله 

فإن النفقة التي شرع الله تعالى في مال عباده إما واجبة أي الزكاة ونفقة الأسرة ونحو ذلك، وإما مستحبة كالصدقة وفي كلا الحالين فالنفقة مشروعة لسد احتياج المحتاج وإعانة الفقير والعاجز وهي أداة لتطهير المال ولتطهير النفس وهي سبب لرقي أكثر لنفس وللمال، فالزكاة والصدقة خدمة اجتماعية وخدمة للنفس قبل ذلك، وإن رأى فيها البعض نقصا للمال فإن رسول الله e يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: ‌مَا ‌نَقَصَ ‌مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَاّ زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَاّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» فزكوا أموالكم عباد الله وتصدقوا بما تيسر مما تفضل الله به عليكم وكونوا أرواحا مباركة يستبشر بها المحتاج كلما رآها. 

فتشوا عن أقاربكم فالأقربون أولى بالمعروف، فتشوا فالمتعففون كثر وإن ستروا حالهم بغير ذلك، ومن ثم من حولكم ممن قلّ ما بيده وصعبت عليه متطلبات الحياة، وللجمعيات الخيرية دورها وأثرها والله رقيب عليهم ومن بعده سبحانه أجهزة الدولة تتابع ما جمعوا وكيف أنفقوا فطيبوا نفسا بما تنفقون فالله يقبل ويضاعف ويهب من الخير والبركة وراحة النفس مقابل تلك النفقة مالا يمكن وصفه. 

ولنتذكر قول الله تعالى "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" وقوله e: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، وبحمد الله فلكل جهات الخدمة الاجتماعية منصات إلكترونية يمكن الدفع من خلالها وأنت في بيتك أو مسجدك وأينما كنت فثمة مجال للتبرع بأفضل الصور الإيمانية وهي الدفع بسرية. جعلنا الله مفاتيح للخير ومغاليق للشر وأرواحا مباركة يستبشر بها المؤمنون خيرا كلما رأوها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل