خطبة الجمعة 24 / 7/ 1443 بعنوان (سلوا الله العافية)

 الحمد لله العليّ العظيم، الملك البرّ الرحيم، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وعظّموا ما عظّم سبحانه يُعظم قدركم وعملكم ويُعظم الأجر لكم. 

يقول الله تعالى "وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا

عباد الله عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ t، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ. فَقَالَ: "يَا عَبَّاسُ! سَلِ اللَّهَ ‌الْعَافِيَةَ"، ثم مكثت ثَلَاثًا، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ! سَلِ اللَّهَ ‌الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ". وعن أبي بكر t أن رسول الله e قال: سلوا الله ‌العافية، فلم يؤت أحد قط بعد اليقين أفضل من ‌العافية، وفي رواية: لم تؤتوا شيئاً بعد كلمة الإخلاص مثل ‌العافية، فاسألوا الله ‌العافية» أن يعيش المرء معافى في بدنه معافى في دينه معافى في وطنه، معافى من أمانات تحملها غيره لهي نعمة عظمى فاز بها، وإن من الجنايات التي يجنيها المرء على نفسه تمنّي ما غاب عنه وما هلك فيه غيره ظنا أنه سيكون أفضل من غيره وأنه سيفعل ما لم يفعله أولئك، وأسوء من هذا من شمت بمبتلى بأمر ما سواء في دين أو خلقة أو خلق أو بيئة أو معيشة. 

إن هذه الحياة القصيرة تحتاج لعمارتها وللتمتع بخيراتها كي تُعمر الآخرة ويتمتع بنعيمها، ولن يعمر عبدٌ دنياه ولن يفوز في أخراه وهو مشتت الاهتمام سريع الملل وكثير التحول، معرض عما مكّنه الله منه ويسّره له. كان الْمِقْدَادُ بْنِ الْأَسْوَدِ t في مجلسه يَوْمًا فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: «طُوبَى ‌لِهَاتَيْنِ ‌الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ e، وَاللَّهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ، فَاسْتُغْضِبَ، فعجب القوم، مَا قَالَ الرجل إِلَّا خَيْرًا، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مُحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ e أَقْوَامٌ أَكَبَّهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ لَمْ يُجِيبُوهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَلَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ e، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ؟ ابن حبان

ولقد وقف رسول الله e في إحدى غزواته مواجها العدو والقوة والحق معه فقال لأصحابه: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ ‌العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، الحديث. البخاري. ولن يُترك أحد في دنياه بدون ابتلاء يناسبه وهذا قدر الله وقضاؤه ليميز الناس عن بعضهم وليُمحص إيمانهم والله تعالى لا يُسأل عما يفعل، ومع ذلك يحب تعالى من عباده أن يسألوه العافية من الابتلاء جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم قوله e: «مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ مِنْكُمْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ عَبْدٌ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ ‌يَسْأَلَ ‌الْعَافِيَةَ» فحمدا لله رحمته وفضله قضى، بالابتلاء ويحب سؤال العافية ليعافي. دوما عباد الله تمر بنا ابتلاءات آخرين من حروب وفتن في دين ومرض مزمن، ولأننا لم نمر بما مرّ به أولئك المبتلين فإننا نقدم نقدا يوحي بتزكية أنفسنا وانتقاصهم، كمن يعلق على حادث مروري ويلوم السائق لخطئه وهو لم يعش الموقف الذي عاشه السائق، يعرض عمّا كلفه الله به وهو أخذ العبرة ويتفرغ للنقد والسخرية والانتقاص، معرضا نفسه لبلاء كان يمكن أن يسلم منه لو اكتفى بما كلّفه الله به وسأل الله العافية. 


الحمد لله العليّ العظيم الملك البر الرحيم، العزيز الحكيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فالعالم يُتخطف من حولنا وأفئدتنا ومستقبلنا أمانة عندنا والتمتع بالحاضر لتحسين المستقبل أمانة علينا وسنسأل عنها، فاحذر تشتت الاهتمامات ومتابعة كل ما يجلب لك نكدا وضررا، إن رأيت مبتلى فاحمد الله على العافية وسله العافية، وإن سمعت عن حرب دائرة فاحمد الله على العافية وسله العافية واحذر النكت الساخرة، وإن جاءك مرجف يصنع الخوف مما لم يأت فاحمد الله على العافية وسل الله العافية. عَنْ ابْنَ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ e يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ، حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ‌الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» فرسول الله المعصوم يسألأ الله العافية ونحن أحوج لهذا السؤال.

وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ‌أَهْلَ ‌الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ لَنَا وَلَكُمْ» فحتى الموتى يسأل الله لهم العافية، فلا تبخلوا بهذا السؤال على أنفسكم ولا على أحبتكم، واستعيضوا به عن الشماتة والسخرية بالمبتلين ولو كانوا كفارا، تجنب متابعة الأخبار والأحداث والنقاشات التي تصنع لك مزاجا سيئا فبهذا يُتعرض للابتلاءات وتحل الفتن والأمراض، سل الله العافية وتمتع بصلة ربك، وبالأنس مع من حولك فبهذا تُعمر الدنيا والآخرة.  وليكن همّك ذنبك والعودة لربك يقول e: «ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق ‌مُفتّنا ‌توابا نسيا إذا ذُكِّرَ، ذكر» صححه الألباني. فاعتن بنفسك واحرص على العافية، تفقد ذنبك واستغفر ربك وخلّص نفسك وأكثر من الصلاة والسلام على من تمنى رؤيتك ووعدك الحوض للقائك وأخبر أن أولى الناس به أكثرهم صلاة عليه


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل