وجوب حفظ الأنفس الإنسانية وخطر الآبار المكشوفة خطبة الجمعة 17 / 7/ 1443

 

الحمد لله الملك العلي العظيم، الخالق البر الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيوصيكم الله بقوله " يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" وبقوله سبحانه "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ

عباد الله خلقنا الله وكرّمنا وسخر خلقه لنا، وزاد في المنّة والفضل بأن هدانا وعلّمنا وأعاننا، وفي مقابل هذا حمّلنا أمانةً، هي حفظ نعمة الهداية والرشاد وحفظ نعمة العون على الطاعة وحفظ نعمة سبل الحياة الكريمة وحفظ نعمة النفس الإنسانية، وأداء هذه الأمانات وشكر هذه النعم يتمثل في رعاية كل منها بما يزيدها وينميها ويرتقي بها ويحقق الفائدة منها، كما يتمثل الشكر للنعم وأداء الأمانات في إعانة الآخرين على أداء أماناتهم واستفادتهم من النعم التي وهبت لهم. ونعمة الوجود الإنساني هي أبرز الأمانات لدى الإنسان، وقد أولاها الله تعالى عناية بالغة فهو سبحانه الذي خلق الإنسان  وكرّمه وقدّر قوته ويسر الكون كله لخدمته "وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا

وتكريما للإنسان جعل جلّ وعلا الناس بضعهم لبعض مسخرين يخدم بعضهم بعضا، لا يستغني منهم أحد عن جهود الآخرين وخدماتهم، فجعل سبحانه الكرامة الإنسان موازية لما يقدمه الإنسان من خدمة لغيره. يقول جلّ في علاه "أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ" فتكريما للإنسان كلما ارتفعت درجة أحدهم احتاج لئن يخدم الآخرين أكثر من احتياجه سابقا كي يحافظ على درجته ويرتقي أكثر

كرّم الله الإنسان واعتنى برعايته فحرّم الإساءة للكائنات الحية عموما وللإنسان خصوصا، شدّد جلّ وعلا في وجوب حفظ الإنسان لنفسه ولمن حوله من كل المخاطر التي قد يتعرض لها مبينا رحمته سبحانه بهذا المخلوق الضعيف بطبيعته "وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا" ويستعظم جلّ وعلا قتل نفس مؤمنة فيقول سبحانه "وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَ‍ٔٗاۚ" ويقول جلّ جلاله "وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا" وأعظم من هذا قوله تعالى "مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا" كل ذلك عناية ورعاية لهذا الإنسان، بل ويقول سبحانه "ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡ

هم لم يقتلوهم ولم يُخرجوهم وإنما تسببوا في ذلك بالمضايقة والإساءة حتى اضطروهم لمواجهة القتل والأسر، مع أن من خرج لو أُسِرَ لفداه المسيئون له لأنهم يدركون انتماءه لهم. إنّ للنفس الإنسانية عند الله تعالى قيمة عالية حتى أنه جلّ وعلا يجعل التسبب في قتل الآخرين بمثابة قتل النفس، ويصف أسهل إساءة بأبشع الصفات وهي الغيبة والنميمة يصفها بأكل المُساء إليه، ويجعل عيادة المريض وإطعام الجائع كأنما هو عمل يُقدم له جلّ جلاله. يرفع الله درجة من اعتنى بأداء أمانته الإنسانية تعظيما منه سبحانه للنفس الإنسانية، وتكريما لها. فحمدا لله نعمه وفضله ونسأله الإعانة على أداء الأمانة وما يجلب رضاه.

الحمد لله ذي الجلال والإكرام العزيز الحكيم أشهد ان لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله 

فإن طبيعة الحياة تستوجب البحث بشتى السبل عن مصادر المياه وعلى رأس تلك المصادر الآبار المختلفة، وكثيرا ما تتغير الحال وتنضب تلك الآبار فيضطر الناس للانتقال لمكان أفضل وهجران السابق وآباره الناضبة، والتي حظيت بجهد كبير في الحفر محاولة الوصول إلى أبعد نقطة ممكنة، وتضج المزارع القديمة والحديثة المهملة والمراعي في البادية بالآبار المكشوفة أو المغطاة بغطاء هش أو متآكل لا يحمي غافلا يمر فوقه. ولأن هذا من الضرر الواجب إزالته والذي يؤجر المسلم المساهم في درء خطره، فإن الواجب على كل من علم شيئا منها إبراء ذمته والتقرب إلى الله بإبلاغ الجهات المختصة وزارة الزراعة والمياه أو الدفاع المدني وغيرها عن ذلك الخطر الذي يتربص بالناس. يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام: مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَال: وَاللهِ ‌لأُنَحِّيَنَّ ‌هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لا يُؤْذِيهِمْ، فَأَدْخَلَهُ الْجَنةَ. ويقول عليه الصلاة والسلام: لَقَدْ رَأَيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الْجَنةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطرِيقِ كَانت تُؤْذِي الناسَ. مسلم.  الاهتمام بسلامة الآخرين سبب لدخول الجنة، ولقد دخلت امرأة النار بسبب هرة تسببت في موتها فما بالك بمن يتسبب في موت إنسان. إن هذه الآبار مصادر خطر قاتل واجب علينا التعاون لدرء مخاطرها ووقاية الناس من أفواهها المتربصة شرا. حفظنا الله وأحبتنا من كل شر ومن كل متربص شرا ومن شماتة كل ذي شر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل