خطبة الجمعة 25 / 6 / 1443 وتوبوا إلى الله جميعا
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب واسع الرحمة سابغ الفضل العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد
عباد الله فاتقوا الله، تعرفوا على حدوده التي حدّ لعباده، والتزموا أمره ونهيه، واحذروا طاعة النفس إن استسهلت معصية، وعالجوا الخطيئة بما يمحوها كلما وقعت، فما من نفس إلا وهي داعية لمخالفة، وما من قلب إلا وهو وادّ لشهوة محرمة، وما من مؤمن إلا وهو غالب لهواه ومحكم أمر قلبه لشرع ربه وقائد نفسه بعقله لا بعقل غيره، وهنا تكون النجاة ويكون الرضا الذي لا يخالطه شقاء.
أمر الله تعالى بالتقوى ووعد عليها بكل خير يؤمل ويرجى فقال سبحانه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا" وقال سبحانه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا" وقال جلّ شأنه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَئَِّاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا"
والتقوى تعني معرفة الله ومعرفة أوامره ونواهيه ومن ثم طاعة الله وعبادته، والتقوى تظهر حقيقتها لصاحبها في الخشية والهيبة لله ولحدوده، وتظهر في التنزه عن الذنوب كلها ذنوب التقصير في الطاعة وذنوب الإقدام على المعصية، ولابد للإنسان من قصور ولابد من خطأ ولابد من نسيان. لابد من غفلة تضع لها بصمة سوداء في قلب وسجل فاعلها، وهذه البصمة السيئة إن اجتمعت مع أخواتها أهلكت صاحبها وحجبته عن ربه وباعدت بينه وبين العباد الصاحين "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ".
ولأن الله تعالى يحب عباده ويكره لهم ما يشقيهم ويبعدهم عن أسباب مرضاته، ويريد سبحانه أن تتفتح لهم أبواب رحماته وفضائله وجناته، شرع لهم عملا يحبه ويحب أهله، شرع لهم التوبة يمحون بها ما زرعته تلك الخطيئة وتلك الغفلة، يقول سبحانه وتعالى "يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا"
والتوبة تعني الندم على التفريط والإساءة في حق النفس عند ربها، وتعني استشعار تلك البصمة السوداء التي لوّثت سجل الإنجاز عند المولى جلّ وعلا والتألم لإيجادها، والتوبة تعني الرجاء في محو تلك الخطيئة وأن يعود السجل ناصعا مشرقا وتعود الصلة المرضية والأبواب المفتحة بين العبد وربه، والتوبة تعني السعي لضبط النفس لأجل عدم تكرار تلك الخطيئة.
حبا للعباد أمر الخالق جلّ وعلا بالتوبة حتى لا يكتفوا بالإيمان وبعض العمل الصالح فقال سبحانه "وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ" وقال جلّ شأنه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ"
لقد أدرك رسول الله e أهمية ومكانة التوبة فقال لأمته: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» أحمد وابن حبان.
أي تمر به غفلة عن الذكر فيتوب عنها، غفلة عن ذكر فما بالك بمن يغفل ويخطئ، ولا يُمسي إلا وقد مرّت به الخطايا التي لا تحصى من قول ونظر وسماع وغيرها، ولئن كان رسول الله e يتوب من الغفلة مئة مرة فإن العبد كثير الخطأ أولى بتكرار التوبة والاستغفار، ولقد أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن صفة فينا بالغة الخطورة علينا نحن بنوا آدم فقال سبحانه "وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا" ذاكرة تنسى وعزم يضعف ولا يستمر، ولكن الله رحمه ورحمنا من بعده فشرع التوبة نجبر بها الحال ونشد بها العزم ونعالج بها الضعف والنسيان، نغسل بها القلوب ونجدد من خلالها الصلة به تبارك وتعالى، ونكسب بها ثناؤه ورضاه جلّ جلاله "إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ". واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله الولي الحميد التواب الرحيم المنّان ذي الفضل العظيم والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
لقد وعد الله تعالى التائب من الذنب بالقبول، بل وبسرعة القبول وبتبديل السيئات حسنات، ووعد جلّ جلاله التائب أن يكون في حفظه وأن يكون محل نظره ورعايته وأن يسبغ عليه فضله وأن يمتّعه في الدنيا متاعا حسنا وفي الآخرة يحلل عليه رضاه فلا يشقى أبدا.
إن في الإيمان سبب لعظيم الرحمات وفي الاستغفار عموم البركات والخيرات وأمان من العقوبات.
يقول تعالى "وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ"
خذوا الفضل الإلهي الممدود لكم بالتوبة، راقبوا أنفسكم واستشعروا الضعف والنقص والقصور واستغفروا مما علمتم ومما لم تعلموا تحظوا بمتع الدنيا وهي سعة العيش ورغده وأمن الوطن واستقراره والمعافاة في الدين والبدن. إن التوبة عباد الله مشاعر ألم وندم على الذنب، وعزم على عدم إعادة الخطأ، وترك واجتناب للأسباب التي وصّلت للخطأ، والتحلل من المظالم التي وقعت تجاه الآخرين، ومقاومة للمغريات وللدعوات المُزيِنةِ للشبه وللشهوات.
ومن كانت هذه حاله فله وعد من ربه بحال أفضل مما يرجوه وأفضل مما يعيشه غيره إلا من جاء بأفضل مما جاء به.
بأمر الله له قال نوح عليه السلام "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا"
وبأمر الله له قال هود عليه السلام "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ"
ولما شكا الناس إلى النبي e القحط استدرج رضا الله وفضله وغيثه بالاستغفار ولما شكا إليه رجل سلاطة لسانه وضعف سيطرته على غضبه دعاه لاتخاذ الاستغفار سلوكا ومظهرا فكان من أحسن الناس في زمانه خلقا.
بالاستغفار نختم أعظم العبادات الحج
والصلاة ونختم مجالسنا التي نفرح بها والتي نخشى تبعاتها لتحل البركة فيها وليعالج
الخطأ الوارد فيها.
عباد الله كانت أمنية محمد e التي لم يرها بعد هي أنتم فاقتدوا به تحظوا بابتسامته في وجوهكم
فرحا بلقياكم اقتدوا به بالاستغفار كل يوم مئة مرة وأكثر تفوزوا برضا ربكم وتتساقط
الحجب عنكم وتحظوا بأبواب رحمة الله وفضله مفتحة لكم. عباد الله أخبركم الله ودعاكم
بقوله "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا" فاستجيبوا أمر
ربكم.
تعليقات
إرسال تعليق