يقولون قد مست آباءنا السراء والضراء

 

الحمد لله الملك العزيز الحكيم، مالك الملك ومدبر الأمر، بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله وهو الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله نبينا وإمامنا وسيدنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله

 فاتقوا الله واحذروه، فقد حذّر سبحانه الناس بقوله جلّ جلاله "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" وحذّر عباده بقوله تعالى "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" فاحذروا أمره لا تفرطوا فيه، واحذروا نهيه لا تتجرؤوا عليه، لتكن العاقبة رأفة ورحمة لا يخالطها خوف ولا حزن. 

عباد الله يقول الله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

يخبرنا الله تعالى عن سننه فيمن كذّب وعصى، فإنه سبحانه يصيبهم ببعض أقدراه بأسا في أبدانهم وضراء في أموالهم وبيئتهم علّهم ينتبهوا فيتفكرا  فيتعظوا، لكن لأن رحمة الله وسعت كل شيء حتى الكفار والعصاة فما يلبث البلاء إلا ويرتفع عنهم علّهم يدركوا فضله سبحانه عليهم، قد يدركوا ويتوبوا، وقد يُفني البلاء أصحاب الشر، ولكن تستمر الحياة وتحسُن لديهم، وترغد معيشتهم ويكثر أولادهم وينسوا أثر وألم ذلك البلاء، فيبقى مجرد ذكرى، فإذا تذكّروه والغفلة والبعد عن الله عمّتهم قالوا كان حدثا كونيا عارضا ولا غرابة إن تكرر، ويفرّغوا الحدث من أية رسالة إلهية، فتمرّ بهم الأحداث ولا تحدث في قلوبهم أثرا! ليزدادوا إعراضا ونفورا، فيسخط الله عليهم بسبب إهمالهم لرسالاته الكونية لهم، فيستدرجهم بمزيد عطاء حتى ينسوا كل بلاء ومشقة نزلت بآبائهم بل بهم هم في سنوات مضت، وينسوا أهمية اللجوء إلى الله والتضرع إليه فيكونون كما وصفهم الله تعالى بقوله " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ  إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ" وكما قال جلّ وعلا "فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

الفتنة أن تمرّ بك أحداث مؤلمة أو تسمع عن أثرها في جيل مضى كجائحة ووباء أو قحط وجفاف أو نازلة اقتصادية موجعة أو فقد حبيب وقريب أو غير ذلك من الأحداث الكونية المدبرة بأمر الله تعالى، وكل شيء بأمره جلّ وعلا، تمرّ الحادثة فلا تحدث ذكرى في القلب، بل تمرّ مهوّنةً من أمر الله تعالى دافعةً لمزيد إعراض عنه تبارك وتعالى، وقد تكون سببا لغرور وسخرية وتعالي! لتكون النتيجة المُحتّمة غفلة مطبقة ومن ثم عقوبة ماحقة لمن سخر وأعرض واستكبر. 

يستنكر الله تعالى بسؤال يحمل الكثير من الوعيد، ما الذي يجعلهم في مأمن من العقوبة التي تفجعهم وهم نائمون أو وهم على لهوهم ومتعهم؟ ما الذي يجعلهم يتخذون من رحمة الله بهم سببا للبعد عنه جلّ وعلا وسببا للاستكبار والعناد؟ إن لله تعالى مكرٌ بالعصاة المشركين الطغاة حيث يمهلهم، ولكنه لا يهملهم. يؤكد لنا جلّ وعلا بأن كل من رأى في الأقدار المؤلمة كالوباء والغلاء والقحط وتأخر نزول المطر أو في الآيات الكونية كالكسوف والخسوف ونحوها مجرد أحداث كونية طبيعية وأن لا ثمّ رسالة إلهية فيها، فإنما يستدرج لنفسه مكرٌ وعقوبات إلهية لا قِبل له بها. 

نسأل الله السلامة والعفو والعافية وحسن الأوبة إليه وحسن العاقبة منه جلّ وعلا. 

الحمد لله العلي العظيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله، 

فإن أهمّ ما على المسلم عقيدته، إذ هي صلته الرئيسة بربه ولا صلة معه سبحانه بدونها أو بخلل يشوبها، فالله لا ندّ له سبحانه، ولا يقبل شريكا جلّ جلاله، ولا سبب للخير يُجلب ويُؤمْن عليه بمثل العقيدة الخالصة، ولا يُغضب الله تعالى شيء كما الشرك به سبحانه، ولا شرك يتهاون به الناس كمثل نسبة الأحوال الجوية والمتغيرات البيئية والاقتصادية للدهر. 

ويكثر اليوم من يتحدث عن بلاء سابق، قحط وجفاف، أو برد قارس، أو وباء، أو غلاء مرّ هنا أو هناك يفصّل في شدة الحدث ولا يُشير إلى كيف رُفع البلاء، هل تاب الناس وضجوا لربهم؟ أم مات أكثرهم وانمحى الذنب بمحو أهله؟ أم هي رحمة الله التي رفعته ومحت اثره وبقي الاستدراج للعصاة الغافلين؟ إن كان ولابد من تذكر أحداث مرّت فهلاّ تضمن الحديث تذكيراً بالرسالة الإلهية الموجّهة فيها؟ وكيفية الوقاية من آلام أثرها؟ 

يستمع البعض لتلك الأخبار المبتورة، فيهز رأسه قائلا: إذن قد مسّت آباءنا البأساء والضراء والسراء! فأين الموعظة؟ وأين الرسالة الربانية؟ وهكذا يحدث الإلحاد والكفر بالله. أتساءل ما الفرق في نفوس المستمعين المتلقين بين أثر حديث هؤلاء وحديث أولئك الذين ذمّهم الله تعالى؟ "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

كم من حائز لخيرات محروم منفعة ما حاز! 

وكم من أرض ممطورة مُعشبة لا يتنعم بها أهلها! 

وكم من عابث لاهي يظنه نفسه متمتعا وهو شقي محروم! 

وكم من فاقدٍ لم يضرّه ما فقد! 

إن البركة في الرزق قرينة العقيدة الصافية، فلنعتن بها نغرسها في أنفسنا وأنفس من تولينا تربيته ليُبارك لنا كل شيء ونتمتع به ولو قلّ، نتوكل على الله ونُثبت الأمر كله لله ولن يضرنا بإذن الله يضرنا بلاء نزل ما دمنا متعلقين بالله متوكلين عليه واثقين برحمته ومصدّقين القولَ بالعمل "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، نزلت ابتلاءات بنبينا الكريم وصحبه والصالحين من بعدهم وأوجعتهم، ولكن صدقوا الله وثبتوا فكانت سببا لمزيد علوّ، وعزة، ورخاء، ورغد.

عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله فبذلك أمركم ربكم وبها يصلي عليكم عشرا، ونبيكم ينتظرها منكم ليردها عليكم، وهنيئا لمن صلى عليه اللهُ ورسولُه.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل