عاشوراء رسالة تفاؤل وأمل 1443

 الحمد لله الملك العليّ العظيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله بعثه بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فاتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وأنكم مسئولون عمّا قدمتم في ما سُخر وتيسر لكم، وإن سبيل السلامة أن تكون التقوى مصاحبة للمسلم في كل شأنه، تقوى تحمله على الحرص على الطاعة وتحمله على المبادرة للتوبة في حال الخطأ والإساءة يقول جلّ في علاه {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} ويقول سبحانه {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ }

 فاتقوا الله لعلكم ترحمون واتقوا الله لعل الرحمة والفضل الإلهيين يتسابقان إليكم فتسعدوا وتُسعدوا { أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ } سعدوا بتقواهم وبسببها أسعدوا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وذرياتهم. 

عباد الله إن من سنن الله تعالى في هذا الكون وفي هذه الحياة الدنيا، أن الإنسان قد خُلِق في كبد، فلا تأتيه حاجته من الدنيا إلا بعد مشقة وضنك وتعب، ومن سنن الله تعالى أيضا أن الإنسان مع هذا القضاء بالمشقة والعناء يواجه أفكارا سلبية مُحطٍمة يغذيها أناس أشد سوء وسوادا من تلك الأفكار الشخصية، ولأن الله تعالى يحب عباده المؤمنين فقد أرسل لهم من أخبار من سبق ما يبدد تلك الأفكار السلبية السوداء التي تجعل الحاضر مؤلما والمستقبل مظلما، ودعم جلّ جلاله تلك الأخبار بوعود منه تبارك وتعالى يفترض أنها تُبدد كل تشاؤم وتهوّن كل عناء وتزرع أملا بمستقبل افضل وتنشء ابتسامة مشرقة في وجه كل مؤمن، ولا يُعذر مؤمن يحل في قلبه شيء يخالف ما يجب من حسن ظن بالله تعالى. 

ولكثرة ما عاناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مشقة وضنك ومن أحاديث تشاؤم يسمعها من أعدائه ومن بعض أصحابه مما قد يؤثر في أفكاره سلبا فقد جعل الله تعالى له أسوة حسنة في الأنبياء من قبله وبالأخص موسى عليه السلام لقرب الزمن نوعا ما وللبيئة التي يعيشها المستهدفون آنذاك، 

وفي قصة نجاة موسى وقومه من فرعون وجنده رسالة تفاؤل عظيمة لأولي الألباب. ينطلق موسى وقومه هاربين لا يحملون سوى أبسط مقومات الحياة يعبرون صحراء سيناء القاحلة الوعرة والجيش يلاحقهم بأسرع ما يمكنه، يأملون في سفينة على الشاطئ تنقلهم إلى الضفة الأخرى، يصلون متعبين منهكين فلا يجدوا أحد على الشاطئ ينظرون خلفهم يرون مقدمات الجيش قد وصلتهم، ولك أن تتخيل ما تخيلوه لو أمسك بهم جيش فرعون، أي نكال وعذاب سينزل بهم قبل ذبحهم، البخر يحجزهم والجيش يحصرهم والإنهاك أخذ مأخذه منهم فلا يستطيعون قتالا بل ولا مجال للمقاومة أصلا ولا للهرب سبيلا، فقالوا ولا لوم إذ قالوا فالكرب عسير قالوا إنّا لمدركون، سقط في أيدي الجيش، ولكن الروح المؤمنة لا تنسى خالقها فيزداد تعلقها به كلما اشتدت الأزمة تأزما فقال موسى عليه السلام: كلا لن يصلوا إلينا لأن الله معنا، سيهدينا لسبيل نجاة لا نراه الآن، سيوجد لنا سبحانه مخرجا.

 فجاءه الوحي أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. شيء لا يصدقه إلا عقل مؤمن يؤمن بالله ويؤمن بقربه وبحبه وبعظيم قدرته.

 يحبك الله ويزداد قربا منك بحسب حب وقرب قلبك منه جلّ وعلا، لن يُحب معرض ولن يُقترب من سيء الظن سيء اللفظ فتفقد قلبك وأمسك لسانك، كان بإمكان من فلق البحر بذاك الشكل أن يفلقه بدون الحاجة لضرب البحر بالعصا ولكنه جلأ وعلا أراد أن يبين لنا أهمية السبب، فلن يتحقق لك ما تصبو إليه بدون فعل السبب المحدد والمُعلّم لك. فثق بربك وابذل جهدك متخذا السبب المناسب لك ولظرفك وستجد من الله ما يُدهشك ويُعجبك. فقلبك هو سبب ما أنت فيه وهو سبب فقدانك لما يفترض بك وهو سبب ما ستكون عليه في مستقبلك

 

الحمد لله الولي الحميد جعلنا من المسلمين ومنّ علينا الصراط المستقيم والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين.

 يحب الله تعالى الفرح ويحب إنزاله بالناس ومن أجلّ الأعمال بعد الفرائض سرور تدخله على مسلم، وعلى هذا فكل ما يدّعيه أهل الباطل من ضرورة النصرة للأولياء الصالحين بتذكر مصائبهم والبكاء والدفاع عنهم بأذية الأجساد وبإتلاف المال وشتم الآخرين  فهي دعاوى كاذبة باطلة وطريق شيطانية مُمهِدةٌ لسوء الحساب والمآل.

 يفرح الله تعالى لفرح المؤمنين ويحب تعالى من عباده أن يفرحوا بنصره لأوليائه { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } وإن من نصر الله لعباده نصره سبحانه لموسى وقومه على فرعون وملائه فحق على المؤمنين الفرح وشكر الله على هذا النصر بالتقرب إلى الله بطاعته وفق ما شرع، وشكره بأحب الأعمال إليه وهو الصيام، فذلك نهج الأنبياء والصالحين، ولمّا علم النبي صلى الله عليه وسلم بصوم اليهود للعاشر من محرم يوم النصر الإلهي لموسى قال نحن أحق بموسى فالأنبياء يتّبعهم المؤمنون الموحدون لا المنتمون هوية وقبلية. ومخالفة لليهود وتمييزا للمسلمين كان صيام المسلمين أكثر من اليهود فيصومون يوم العاشر من محرم ويوما قبله أو بعده. وجزاؤهم عند ربهم لا يقدّر بقدر ونبي الله يرجو أن يكون من الثواب تكفير ذنوب سنة مضت. فقال عليه الصلاة والسلام: وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» فتقربوا إلى الله بمتابعة أنبياء الله موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام في شكرهما لله واستدراجهما لفضل الله صوموا يوم عاشوراء شكر لله وتيمنا بتكرار نصر الله نصر الله لكم ونصره لأمتكم، وصوموا يوما قبله أو بعده تمييزا لكم واتباعا لسنة نبيكم فاتباعه سبب لحب الله لكم.

 لنأخذ عباد الله من التاريخ درسا فالحسين رضي الله عنه صفوة الصفوة في زمانه ولم يسلم من المخادعين والمغررين لمّا أحسن الظن ووثق بمن أظهر الغيرة والنصح فخُذل وأوذيت الأمة فيه أجيالا فغيره من باب أولى أن يغرر به وأن يتخذ مطية للمفسدين فكونوا عونا لأولادكم على السلامة من كل مفسد مسيء لهم ولدينهم ووطنهم. وعلموهم أن حسن الظن ومطلق الثقة في الله تعالى هو سبب نجاة موسى وسبب قرة عين محمد وهو كذلك سبب لتحقيق أمانيهم وتطلعاتهم وتذكروا وذكّروا بفضل الله ورحمته وبفرحه بتوبة عباده وبإقبالهم على المسجد لصلاتهم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل