خطبة عيد الأضحى المبارك 1442 (رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه،
حمدا يرضاه ربنا فيرضى
وشكرا له سبحانه فضله ومننه شكرا، شكرا،
حمدا وشكرا كما أمر وأحب جلّ وعلا،
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله النبي المجتبى والحبيب المصطفى سيدنا وسيد جميع الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. الله أكبر الله أكبر،
الحمد لله منّ وتفضل علينا ببلوغ يوم عرفة وهنيئا لمن تقرب فيه بما وسعه فلعل الله قد ذكره وأثنى عليه وتباهى به،
والحمد لله منّ علينا ببلوغ هذا اليوم العظيم، أعظم يوم في السنة وأحب إلى الله العمل الصالح فيه، أخبرنا بعظمته نبينا وسيدنا وحبيبنا محمد e فقال: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْقَرِّ»
وهنا تتأكد التقوى، تقوى لله في هذا اليوم فيُستغل للتقرب إلى الله بما شرع، ويُتخذ من آدابه وقيمه سلوكا ينتهج كل السنة، هذا اليوم منّة عظيمة فيه تجدد النفس المؤمنة مراجعتها لتلك الوصية النبوية التي تجلت فيها رحمة رسول الله e بأمته وخشيته عليها، ولن تجد قائدا أرحم وأرأف بفريقه من رسول الله e ولن تجد وصايا رأفة وشفقة كوصايا الوداع، التي ودع بها رسول الله e أمته، ولما بعث عليه الصلاة والسلام معاذا إلى اليمن قاضيا خَرَجَ مَعَهُ يُوصِيهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا وَلَعَلَّكَ أنَ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا، وَقَبْرِي» فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ e: "لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ إِنَّ الْبُكَاءَ مِنْ الشَّيْطَانِ ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ e نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا» أحمد وصححه الألباني. ومن يتق الله في وصايا الوداع ويجعلها نبراسا له في حياته فهو من القوم الأولى بالنبي؟
لقد وقف رسول الله e في مثل هذا اليوم موصيا أمته قائلا: اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا. في إشارة إلى أن التزام هذه الوصايا هو سبب الحياة السعيدة، ولقد ارتكزت الوصية النبوية على ثلاثة جوانب رئيسية. هي الصلة بالمجتمع والصلة بالأسرة والتحذير من المفسدين للقلوب. كانت الوصية بصيانة العلاقة المجتمعية فقال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا.
وهذا هو أعظم يوم في السنة فحرمة الدم والمال والعرض أشد عظمة منه، فخذوا حذركم من الغيبة والنميمة فإنها أول مطعن في الصلة بالآخرين وهي فاتحة كل شر على الناس ومسببة استحلال ما حرم الله، وإن الاعتداء على الأعراض جناية عظيمة "إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ" مجرد تهم استوجبت كل هذا الغضب الإلهي فما بالك بالفعل! وخذوا حذركم في أموال بعضكم، حين البيع لا تستغل حاجة مستهلكٍ لرفع السعر أو تسويق ما لا ينفعه، وحين الشراء لا تستغل جهل أو طيبة أو حاجة بائع لتبخسه وتظلمه في سلعته،
ووصى رسول الله e بالحذر من الشيطان فقال: أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ» وما أكثر الشياطين وإن لبسوا ثياب الآدميين وتجملوا بجميل القول والملبس وأظهروا الود والحرص، يندسون بين الأسرة الواحدة ويندسون بين الوطن وأهله ليزرعوا الفتنة والفرقة والفساد وتدرك شيطتنهم في الفساد الذي هو دوما عاقبة قولهم ومسلكهم فاحذرهم وإن كانوا ممن يسمع قولهم. كفانا الله شرهم الله أكبر
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة واصيلا وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
ووصى e بما وصى به الله تعالى رعاية للأسرة بقوله "وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فقال عليه الصلاة والسلام: فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا. وعن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي. فإذا كانت الزينة حقا للطرفين فما بالك بغيرها من الحقوق.
وكذلك وصى عليه الصلاة والسلام في مثل هذا الموقف وفي كل مناسبة طيبة بفتح صفحة جديدة مع الآخرين فقال: أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ، وَمَالٍ وَمَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فمتى ما حلّ عيدٌ أو مناسبة طيبة تأنس فيها النفوس وتبتهج فلنستغلها فرصة طيبة لتناسي ودفن ما مضى من أخطاء الآخرين وللعيش الطيب معهم ما لم يستمروا على ظلمهم وتجنيهم.
وفي مقدمة تلك الوصايا الوداعية قال عليه الصلاة والسلام: اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، ومن هنا تدرك أن مصائب هذه الأمة اليوم وحرمان كثير منهم من العيش الإنساني الكريم إنما هو بسبب الإعراض عن تلك الوصايا ومخالفتها، فعليكم أنفسكم عباد الله ولن يضركم من ضل إذا اهتديتم وخذوا على يد السفيه الذي هو تحت مسئوليتكم ورعايتكم وأعرضوا عمن كفاكم الله مسئوليته بغيركم.
تذكروا عباد الله وعود الله بالنصر والتمكين للمتقين فاتقوا ولا تضيّعوا دينكم ولا دنياكم ولا اسركم بمتابعة سلوكيات الآخرين والحكم عليهم.
ثم طلب رسول الله e من أمته طلبا هو أمرٌ، بتبليغ تلك الوصايا جيلا بعد جيل حتى تكون الأمة أمة خير وصلاح وتكون بيوتها سكن وطمأنينة لأهلها.
عباد الله اليوم هو يوم العزة هو يوم الفخر هو يوم الفرح هو يوم النحر قال عز وجل "إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ" نصلي وننحر ونفخر ونتقرب إلى الله بما يحب منا، وأعظم عمل صالح اليوم هو النحر، فضحّوا تقبل الله منكم وكلوا واهدوا وأطعموا وأكثروا من ذكر الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: " يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" وفي رواية وذكرٍ للهِ تعالى. فأكثروا من الذكر حين النحر وبعد كل صلاة وفي كل لحظة حتى نهاية أيام التشريق واستغفروا الله بعد كل عبادة تأملون قبولها وفي كل مجلس ذكر تأملون أن يبادلكم الله به ذكرا،
ولا تنسوا رحمكم الله أن أولى الناس بالنبي هم المتقون فاتقوا الله في مجتمعكم وفي أسركم بمراعاة الإجراءات الاحترازية من هذا الوباء عجّل الله برفعه عنّا وعن العالمين. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
حمدا
لله بلوغ يوم النحر وحمدا لله هذا الجمع المشهود بإذن الله وحمدا لله هذه الأفئدة
المحبة لسنة نبيها والمحبة لبعضها، ونسأله جلّ وعلا أن يهب المسيء منا للمحسنين فيقبلنا
ويحلل رضاه علينا وألا تفارق ملائكته مسجدنا إلا وقد كُتبنا في الصالحين المرحومين،
الموعودين باجتماع عند حوض النبي الكريم محمد e وباجتماع تحت ظل العرش العظيم،
وباجتماع في الوادي الأفيح في جنات النعيم انتظار لرؤية الرب الكريم الجليل العلي
العظيم، وأن نكون ذوو وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة، اللهم ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا
وإخوتنا وسائر من له حق علينا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وفق اللهم خادم
الحرمين وولي عهده لما تحبه وترضاه، اجعلنا ربنا مقيمي الصلاة وذرياتنا وهبنا قرة
العين في كل شؤوننا وأحوالنا واحفظنا واحفظ لنا ديننا وقيمنا يا رب العالمين وصل
اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
الله ينفع بعلمك
ردحذف