حرّ الصيف - نعمة - آية - عبرة وعظة 13 / 12 / 1442
الحمد لله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدً بن عبدالله، عبدالله ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين وسيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فيقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} وهذه وصية بالثبات مهما كانت الحال ومهما عصفت الفتن،
عباد الله رحمة الله من تعالى بعباده فإنه سبحانه قد جعل لهم في هذا الكون ما يبدد غبار الغفلات عن قلوبهم ويجدد لهم الذكرى بحقيقة الدنيا وبما ينتظرهم في حياتهم الحقة، الحياة الآخرة،
وهذا الصيف بلهيبه وبسمومه إنما هو إحدى آيات الله العظام، يذكّر المؤمنين بأن الدنيا لا تدوم على حال، فالشتاء القارس قد نُسي بمرور هذا الصيف، وهذه الشدة في الحر تؤكد قرب رحيل الصيف وحلول ضده وهو الشتاء، في رسالة بأن الحال لا تدوم مهما بلغت من قوة،
وهذه القسوة الحارة للصيف لا تخلو من متع جميلة، أهمها فواكه الصيف ووروده وأزهاره الجميلة وأمسيات لطيفة وهذه الأمطار الممتعة المفاجئة لتؤكد بأن لا شر محضّ وأن الخير يتخلل كل مكروه أيا كان فنتفاءل في كل الأحوال.
عن أَبَي هُرَيْرَةَ t أن رَسُولُ اللَّهِ e قَالَ اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ} متفق عليه.
ومع هذا الحر الشديد وسمومه يستحضر المؤمن تلك الأنفاس الجهنمية،
ويتذكر قول الله تعالى "وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ"
كما يستحضر المؤمن مع شدة الحر هذه الآخرة وموقفها العظيم حيث الشمس دانية من الخلائق والعرق يلجم الناس إلجاما وحيث الخوف والرعب في يوم كان مقدراه خمسون ألف سنة،
يستحضر المؤمن ذلك كله فيعمل على النجاة منه، وذلك بشيء من العمل الصالح،
ومن ذلك ما ورد عنه e في مراعاة حال المدين حيث يقول: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ غَرِيمِهِ أَوْ مَحَا عَنْهُ كَانَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أحمد وصححه الألباني.
وكذلك التحّاب في الله يقول e: إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» مسلم.
ويقول عليه الصلاة والسلام: "إن الصدقةَ لتُطفىء عنْ أهلِها حر القُبور، وإنما يَستظل المؤمنُ يومَ القيامةِ في ظل صدقَتهِ" صححه الألباني.
ويقول عليه الصلاة والسلام: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"
فلنتخذ عباد الله من حرارة الصيف دافعا لنا للنجاة من النار، ولنعتني بما تيسر لنا من عمل مما ذكر وغيره يكن سببا لفوزنا بقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى المُؤْمِنِينَ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ الظهر والعصر" الحاكم وصححه الألباني.
ولنحذر مع هذه الأجواء القاسية مما يغضب الله تعالى فقد قَالَ e: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» متفق عليه. فاحذر التذمر من الجو إلا للتعوذ من جهنم والتخفيف من الحر ولسؤال الله الجنة ونعيمها، فربما كان في قولك المتذمر غضب الرب جلّ وعلا. خصوصا وأن الصيف لا يخلو من أوقات جميلة أو أطعمة لذيذة، إذ الأحوال الجوية وما ينتج عنها مُقدر بحكمة وبتدبير العزيز الحكيم الذي هو أرحم بنا من أمهاتنا وقد حّذرنا جلّ جلاله نفسه. يقول e «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا». فلنحذر ونسعى في إعتاق أنفسنا، اعاننا الله على أنفسنا
الحمد لله العلي العظيم مالك والملك ومدبر الأمر والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله
جاءت الأخبار عن حر شديد ضرب شمال الكرة الأرضية قاربت فيه درجة الحرارة 35 درجة أو تزيد قليلا وقد نتج عن ذلك وفاة عدد من السكان هناك!
أتعلم سر تسبب الحر في وفاتهم؟
إنهم كبار سن أو ضعاف ومرضى ولا يملكون أجهزة تكييف! وليس لديهم ما يعينهم على تحمل الصيف من أطعمة مناسبة.
أو تعلم سر تندر بعضنا بهذه الأخبار؟
هو الجهل بنعمة الله والوهم بالقدرة على تحمل ما عجز عنه أولئك، مع أنه يتندر في مواجهة هواء المكيف الذي لا يحيد عنه! ولذا علينا تعظيم نعم الله علينا وشكرها واتخاذ تلك الأخبار سببا لحمد الله وتذكر نعمته علينا وشكرها، فلو كنا في مثل حالهم ولا نملك ما نملك من نعم الله لكانت الحال ذات بؤس ووفيات لا يعلمها إلا الله، فهذه الأجهزة وهذه الكهرباء نعم تُشكر بترشيد استخدامها وعدم الإسراف فيها، وبعدم تحويلها من أجهزة تكييف إلى أجهزة تجميد فيلتحف النائم بأغطية الشتاء الثقيلة أو تصاب أجهزة التنفس البشرية بالضرر نتيجة التنقل ما بين الأمكنة الباردة جدا والحارة جدا،
وشكرا لنعمة التمور والثمار الصيفية نذكّر بزكاتها ولا نسرف في شرائها وتناولها فضلا عن العبث بها بأي شكل ولأي غرض كما يفعل في بعض المسابقات أو تزيين عرض لفواكه،
ولنجعل من ليل الصيف الذي يطيب فيه السهر سببا للنجاة بركعات يسيرة أو تلاوة وذكر لدقائق في لحظات مشهودة يخلو فيها العبد لنفسه مع ربه جلّ وعلا وسيفرح بها يوم اللقاء العظيم.
عباد الله ويبشرنا
الله بقوله تعالى" إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ
فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ
رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيَٓٔۢا بِمَا كُنتُمۡ
تَعۡمَلُونَ مُتَّكِِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ
عِينٖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ
أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن
شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۢ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ
وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا
وَلَا تَأۡثِيمٞ ۞وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ
مَّكۡنُونٞ وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ قَالُوٓاْ إِنَّا
كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا
عَذَابَ ٱلسَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ "
عباد الله هذا اليوم الجمعة هو ختام أيام التشريق فأكثروا فيه من الذكر والدعاء ولا تفوتوا على أنفسكم فرصة اجتماع نعمتين ساعة الجمعة ويوم تشريق. ولنعمل على إعتاق أنفسنا بعمل صالح يجعلنا في متعة لا نشعر معها بتلك الخمسين ألف سنة إلا كما بين الظهر والعصر. نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته. وأكثروا عباد الله من الصلاة والسلام على حبيبكم محمد بن عبد الله الذي أحبكم وتمنى رؤيتكم ووعدكم الحوض العظيم مقرا للقاء بكم ووصاكم بكثرة الصلاة عليه خصوصا يوم الجمعة.
تعليقات
إرسال تعليق