كيف نستقبل رمضان كلمة 1/ 9 / 1442

 الحمد لله رب العالمين الملك البر الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد فيا أيها الأحبة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأحمد الله الذي بلغني وإياكم هذا الشهر الفضيل ويسر لنا اغتنام بعض فرصه علّنا نكسب عملا به نُلحق بالصالحين وعلّنا أن نغنم مشاعر تقربنا لمنازل المقربين.

إن بلوغ شهر رمضان نعمة عظمى يدركها أولئك الذين غلبوا شياطينهم بخلاف أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم أنفسهم، فإن بلوغ رمضان عندهم كبلوغ باقي أشهر السنة، بل أسوء والعياذ بالله تعالى ذلك أن من نسي نفسه فهو لنسيان غيره أولى. إن لله تعالى منحٌ تمر بالجميع والله تعالى ينظر للقلوب فأي قلب هفا حبا وفرحا بتلك الفرصة أعانه الله على استغلالها ووفقه لأسباب الفوز بها وثبّته على السلوك السوي الذي يُبلّغه هدفه. إننا إذا تأملنا قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ» صحيح ابن خزيمة (2/ 374) [التعليق] 1491 - قال الأعظمي: إسناده صحيح وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» صحيح ابن حبان - مخرجا (4/ 446)

إذا تأملنا هذا اضافة لقوله صلى الله عليه وسلم: " لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ " صحيح مسلم (4/ 2104)

نجد حين التأمل أن هناك فرحا وودا من الله جلّ جلاله بإقبال العبد مع غناه سبحانه وتعالى وعلوّه، إذن فكل عبادة يرجو العبدُ قبولها والقرب من ربه بسببها يحب أن تُتوج وتُضمن مشاعر الفرح والبهجة بها، وهذه أبرز علامات غلبة المؤمن للشيطان.

فنستقبل رمضان بالفرح شكرا لله تعالى على بلوغه وعلى القدرة على العمل الصالح فيه، وكذلك نستقبله بفرح وعزم على العمل الصالح، فتكون نياتنا وفرحتنا وعزيمتنا وخطتنا سابقة لشهرنا، وفي كل يوم تكون تلك المشاعر حاضرة سباقة والروح مبادرة تزداد شوقا كلما قرب الشهر وتزداد فرحا ومبادرة كلما تعاقب ليله ونهاره.

في رمضان أبواب الخيّر مفتّحة والنفس المؤمنة مقبلة والأعمال الصالحة عديدة متنوعة والوقت يتسع لكل ما تحبه النفس، ولكن الأيام سريعة الترحل لا تنتظر ولا تراعي ظروفا لأحد، فالمؤمن ثقة في ربه وحبا للصلة به وتداركا للفضائل يغتنم الفرصة ليحقق لنفسه أكبر قدر ممكن من الثروات التي تسره يوم يضعف عن العمل وتسره يوم يلقى ربه.

ومن أهم العمل في رمضان وهو لُبّ العمل الصالح في كل حين، التقوى فالله تعالى يقول "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ" فالتقوى هي الغاية العظمى من الصيام، وإذا زانت التقوى في القلب زان كل عمل مقدم، وكان العبد المؤمن أقرب إلى ربه، والتقوى إنما هي مشاعر تبعث على العمل، مشاعر تُقى تغذي القلب ليُظهر السرور والبهجة بقدوم الشهر الكريم، وليظهر الشوق والأمل بالمغفرة والرحمة والقبول، مشاعر خفية خفيفة تبعث على النهوض للصلاة في وقتها حيث ينادى بها للرجال وحيث اعتادت المرأة الصلاة، فالله يبش فرحا بمن توجه إلى الصلاة فَرِحاً.

فأهم مظاهر التقوى الفرح بالطاعة والمبادرة إليها وكذلك الوجل في قبول العمل وأيضا الخوف والكراهية للذنب والخطيئة.

فتتوفر لدى المؤمن مشاعر تقى تُنهضه للصلاة وتدفعه لتزيين الصلاة بالذكر وبحضور القلب والوعي لكل ما يقال من ذكر ودعاء، واستشعارٍ لإقبال الله تعالى ونظره لعبده وسماعه لذكره ودعائه.

وكذلك من المشاعر التي تظهر حُسن استقبال رمضان مشاعر الخوف على هذا الصيام فيصان، ولا يخدش بلفظ حرام ولا بنظر حرام ولا بطعام حرام.

فمشاعرك الظاهرة هي عنوان لمشاعرك الباطنة، ومن بشّ للطاعة بشّ الله تعالى لإقباله، وهنيئا لمن بشّ الله له وفرح به وتباهى به، والله جلّ في علاه لا يفرح بشيء ولا يباهي بأحد إلا بسبب العبادة ومشاعر القلب الفرح المبتهج بها.

إذن فمشاعرنا تحدد جودة استقبالنا وتعاملنا مع هذا الشهر المبارك، ومستوى فرحتنا وابتهاجنا بالعبادة يوحي لنا بشيء من بشاشة الله وفرحته بنا، فلنحسن العمل ونحسن الظن يحسن الحال والمآل لنا.

نستقبل رمضان كما تستقبله كثير من الأسر فإنك حينما ترى تسوقهم لرمضان يخيل إليك أنه أول رمضان يمر بهم، وأن بيوتهم خالية من كل إناء وطعام وشراب، فحري بنا أن نستقبله وكأنه جديد علينا وكأن سجلاتنا خالية من العمل فنحاول أن نعمرها بما ييسر الله لنا من العمل.

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على سنة نبيه وأن يعيننا على عمل صالح يرضيه عنا، وأن يغيث بالإيمان وبالتقى قلوبنا كي تفرح بطاعته وتسعى لقربه وتستحضر اطلاعه وقربه واقباله سبحانه وتعالى، وأن يوفقنا لاغتنام لحظات وفضائل هذا الشهر المبارك وأن يتركنا إلا وقد كسبنا كل ما نرجوه من خيري الدنيا والآخرة. غفر الله لي ولكم ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم وأزواجنا وأحبتنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله إمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل