الغلول والفساد الإداري مظاهره وعواقبه
بسم
الله الرحمن الرحيم
8- الغلول والفساد الإداري مظاهره وعواقبه 26/7/1442 يوم الأربعاء بعد صلاة المغرب
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد
أيها
الأحبة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ويتجدد
بفضل الله ومنته اللقاء بكم ضمن سلسلة الكلمات الإرشادية لشهر رجب من السنة
الثانية بعد الأربعين والأربعمائة والألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة
وأتم تسليم، والتي تنفذها جمعية الدعوة بالمجمعة جزى الله القائمين عليها
والداعمين لها كل خير وتقبل منهم، نتحدث هذه الليلة عن موضوع بالغ الأهمية لبالغ
اهتمام الله تعالى به ولكثرة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم منه، فإن مُستهان به
لا يؤبه له بسبب موضوعنا هذا أشعلت قبر صاحبها نارا والعياذ بالله تعالى. نتحدث عن
الغلول والفساد الإداري.
فهو
عمل ينبئ عن سوء طباع صاحبه وفساد قلبه وتشبعه بالخيانة والكذب وحب السرقة، نسأل
الله العافية والسلامة. نلتقي هذه الدقائق في حديث عنه علّ الله أن يرحمنا فيعصمنا
منه ويحمينا من أهله وأن يفقهنا في الدين ويهدينا سواء السبيل، وأن يجعل هذا
اللقاء مجلس رحمة نُرحم به متحدثا ومستمعا ووالدينا وأحبتنا.
الغلول
كبيرة من كبائر الذنوب، والأصل في هذا قول الله تعالى " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ
أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ
تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"
ومعنى
الغلول: هو الخيانة في بيت مال أو زكاة أو غنيمة. فالمال العام هو العائد للدولة
أو الشركة أو الجمعية الخيرية أو أي جهة أمّنته على دخلها فيأخذ منه بغير حق
كتزوير أوراق واحتيال في تمرير معاملات أو تقديم نفسه على غيره لينال نصيبا معينا
لا يمنحه النظام حق أخذه فهذا غلول، أي سرقة المال العام، أيا كان السارق وأيا كان
المسروق. فالنبي الذي هو صفوة خلقه الله ومصطفاهم لا يُتخيل منه الغلول ولا يسمح
له به، ولا يمكن أصلا لنبي يعرف الله ويخشاه أن يغل، وإذ لم يقبل من نبي فما بالك
بغير الأنبياء فالكل محرم عليه الغلول.
وأما
ما يخص المسروق قلة أو كثرة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ
عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ
وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدٌ لَهُ، فَلَمَّا نَزَلْنَا
الْوَادِيَ، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُلُّ
رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ
الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ
لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ
تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ
أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ
شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» مسلم.
(الشملة)
كساء صغير يؤتزر به، والشراك هو السير المعروف الذي يكون في النعل على ظهر القدم.
وعن
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى
مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ
غَلَّهَا - أَوْ عَبَاءَةٍ -» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ، أَنَّهُ لَا
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ»، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ:
أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ" مسلم
ويدخل
في الغلول الاعتداء على أراض الغير فعن أبي مالكٍ الأشعري رضي الله عنه عن النبي
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أعْظَمُ الغُلولِ عندَ الله عزَّ
وجلَّ ذِراعٌ مِنَ الأرضِ، تجدون الرجلين جارَيْنِ في الأرضِ أو في الدارِ،
فيقتطعُ أحَدُهُما مِنْ حَظِّ صاحِبهِ ذِراعاً، إذا اقْتَطَعَهُ؛ طُوِّقَهُ مِنْ
سبعِ أرَضِينَ". رواه أحمد والطبراني وصححه الألباني.
وأما
ما يتعلق بالفساد الإداري، فهو غلول من عدة نواحي ولذا فجريرته أعظم ففيه أخذ ما
ليس بحق وحرمان صاحب حقٍ من حقه وتقديم من لا يستحق على من يستحق فخيانته أعظم من
سابقه.
كذلك
يدخل في الغلول هدايا العمال أي الموظفين من قبل المراجعين والمستفيدين فيما لا
يسمح به النظام،
كذلك
التهاون في العمل وفي ضبطه وأداء أمانته في عمومه غلول فهو أخذ ما لا يُستحق
بطريقة مخالفة للنظم ويأتي هنا قول الله تعالى "ويل للمطففين"
ولأن
هذا السلوك أي الغلول والفساد الإداري لا يتفق والسلوك الإيماني القائم على الصدق
والنزاهة فإنه يدخل صاحبه في السلوك البهيمي والشيطاني، فالبهيمة لا تفرق بين ما
تيسر لها ما دام حلوا سهلا حتى يؤلمها وإذا كشف أمره ترى المهانة والذلة قد نزلت
به وأحاطت به وقد كان في غنى عنها كما أنه قد يتعرض لحرمان مقابل تلك السرقات
والاختلاسات والتقصير، إضافة لما ينتظره عند ربه من شديد العقاب في الدنيا وفي
الآخرة. كما أن هذا الغلول والفساد سبب لمزيد حسرات حينما يكتشف بعد البعث أن ما
يعذب عليه كان متعة لآخر فالورثة لا يساءلون عن مصدر إرثهم ويحق لهم التمتع بتلك
السرقات فهو يعاقب عليها وهم يتمتعون بها.
فعلى
المؤمن أن يستحضر عظمة الله وقدرته وعلمه واطلاعه وان يسأل الله دوما الاكتفاء
بالحلال عن الحرام وأن يقنع نفسه واسرته بالتكيف مع ما يسر الله لهم وأن لا يدفعوه
بكثرة الطلبات نحو العاقبة المقيتة وكذلك هو يعوّدهم على المنع نوعا ما حتى لا
تطمح أنفسهم لكل ما تشتهيه
وفي
الحديث " يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ
مِنْ سُحْتٍ أَبَدًا، النَّارُ أَوْلَى بِهِ. يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، النَّاسُ
غَادِيَانِ فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا - أَوْ قَالَ: فَمُوبِقُهَا – رواه
الحاكم في المستدرك.
أسأل
الله ان يكفينا بحلاله عن حرامه وأن يغنينا بفضله عمن سواه وأن يصب علينا رزقه
صباً صبا وألا يجعل عيشنا كدا كدا وأن يغفر لنا وأن يرحمنا ووالدينا وأحبتنا
والمسلمين والمسلمات
وصلى
الله وسلم على نبينا محمد
تعليقات
إرسال تعليق