أنواع النفاق وأدلته
بسم
الله الرحمن الرحيم
الكلمة (الحلقة)
الرابعة معنى: (أنواع النفاق وأدلته) 16/7/1442
يوم الاثنين بعد
صلاة المغرب
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد
أيها
الأحبة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ويتجدد
بفضل الله ومنته اللقاء بكم ضمن سلسلة الكلمات الإرشادية لشهر رجب من السنة
الثانية بعد الأربعين والأربعمائة والألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأتم
تسليم، والتي تنفذها جمعية الدعوة بالمجمعة جزى الله القائمين عليها والداعمين لها
كل خير وتقبل منهم، نتحدث هذه الليلة عن موضوع مهم هو أمر أبغضه الله تعالى وأبغض
أهله وتوعد أهله بأشد أنواع العذاب وأكثرها بؤسا جزاء وفاقا، ولبغض الله تعالى
لهذا الخُلق الدنيء كان خلقا مذموما لدى كافة الفِطر السوية، ومما زاده سوء أنه
يقوم ويبنى على أسوء الأخلاق، خُلق الكذب الخلق الذي لا يمكن أن يكون خُلة ولا
طبعا لمؤمن، وأنه لا يوجد إلا لدى أحط الناس خلقا وأكثر حقدا وحسدا وشرا. ألا وهو (النفاق) نتكلم عن أنواعه وأدلته علّ
الله أن يرحمنا فيحمينا منه ومن أهله وأن يفقهنا في الدين ويهدينا سواء السبيل،
وأن يجعل هذا اللقاء مجلس رحمة نُرحم به متحدثا ومستمعا ووالدينا وأحبتنا.
أيها
الأحبة الكرام بداية نتعرف على معنى كلمة النفاق: هو مأخوذ من كلمة نفق، وهو السرب
أو المسار تحت الأرض مخفي لا يدرى عنه، ومنه نافقاء اليربوع أو الجربوع الحيوان
البري المعروف، فهو يحفر جحره تحت الأرض ويجعل له مخرجا خفيا حيث يحفر بقرب سطح الأرض
ويترك طبقة خفيفة لا يدرى معها أن تحتها منفذا له وفي حال الاضطرار يضربها برأسه
لتنكسر ويخرج.
وفي
الاصطلاح هو القول باللسان أو بالفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد.
النفاق يعني أن يكون المرء ذو وجهين، وجه حسن يظهره
للناس يتظاهر فيه باتباع الفضيلة والأخلاق الحسنة الحميدة، ووجه وآخر أخفاه قبيح ساخر
يضمر فيه السمة والنزعة الحقيقية لشخصيته السيئة. فسريرته وعلانيته مختلفان يقول
الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا
يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ
ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ
هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ
يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ
أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ
فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيًۡٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ
لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ
وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ" ويقول
سبحانه " وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ
تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ
نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ
مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ "
والنفاق
نوعان عقدي وعملي، وكذلك هو درجتان منه ما هو مخرج من الملّة ومنه ما هو غير مخرج.
ولكل
نوع علامات وهو في مجمله يعني عدم تعظيم الله تعالى والجهل بمراقبته واطلاعه، كما
أنه نابع من الاستهانة بقدرة الله تعالى ومن الغرور الذي دفع صاحبه للأمن من مكر
الله تعالى.
وكلما
عظمت جريرة ذنب ما عظم عقابه، ولأنه لا أعظم جرما من الكذب والمخادعة وإضمار السوء
والسعي إليه، وهذا ما ينطبق على النفاق، فإن عقوبته تصل إلى الدرك الأسفل من النار،
وكلما جنى المسلم على نفسه بشيء من صفات النفاق فإنه يجر لنفسه بعضا من ذلك العقاب،
وكلما زاد في عمل السلوكيات الخاطئة من هذا النوع قرب من العاقبة المعدة.
النفاق
نوعان: اعتقادي وعملي
فالاعتقادي:
هو ما يظهر فيه صاحبه الإسلام وهو يبطن الكفر، ويتربص بالمسلمين الدوائر فإن وجد
ثغرة لم يدخر وسعا. وهذا مخرج من الملة وهو ما توعد الله تعالى عليه بالدرك الأسفل
من النار، وكل الآيات التي تتحدث عن المنافقين فإنه نفاق من هذا النوع، نفاق
اعتقادي. يقول الله جلّ جلاله " إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ
فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا" ويقول سبحانه "وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ
تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا " ويقول
عزّ وجلّ " إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ
خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ
وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا"
ولعظم
خطرهم وشدة خفائهم خصص الله تعالى ثلاث عشرة آية من سورة البقرة يستفتح بها المسلم
تلاوته لكتابه ربه تتحدث عن المنافقين، وكذلك عامة سورة التوبة تتحدث عنهم، وسورة
المنافقين، وآيات أخر عدة تتحدث عنهم لتبيان خطرهم وتحذير المسلمين من شبههم
وأفكارهم.
وللمنافقين
صفات رئيسة أهمها السخرية بالدين وبالمسلمين لأجل دينهم، فباعث السخرية هو الدين
وليس لأمر آخر " يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن
تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ
إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ
إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ
كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ
إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ
مُجۡرِمِينَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ
يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ
أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ"
وكذلك
من صفاتهم أنهم يأتون لقيم ومسلمات كما في صلاة الجماعة والحجاب وحسن الخلق والصلة
بولاة الأمر وجودة أداء المهام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يأتون لهذه القيم
وغيرها المستندة للشرع فيسعون لإفسادها بحجة الإصلاح "وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا
تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ
"
وأيضا
من صفاتهم التهرب من الواجبات والفرائض إن وجدوا لذلك سبيلا
"
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا
تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ"
"
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ
إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ
قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ"
" إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ
يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ
قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا
قَلِيلٗا"
فهذا
نفاق أكبر باعثه فساد العقيدة وسوء الطوية وخبث النية وهو مخرج من الملة موجب
للخلود في النار مالم يتب منه صاحبه.
والنوع
الثاني: نفاق عملي وهو النفاق الأصغر، لا يخرج من الملة ولكنه طريق للنفاق الأكبر،
وخطره ليس بالهيّن وفيه تختلف السرائر عن العلانية في بعض الواجبات، فيعمل بعمل
أهل النفاق مع بقاء أصل الإيمان في قلبه، فالباعث له سوء خلق أو كسل أو كراهية نقد
منافق له وفي العموم الباعث له ضعف الوازع الديني لديه ولكن ليس في قلبه جحود ولا
نكران لهذا الواجب.
وهذا
النوع من النفاق مقدمة وطريق للنفاق الأكبر لمن سلكه وكان ديدنه. وأمثلة ذلك:
الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر بالعهود،
والرياء الذي لا يكون في أصل العمل، كأن يعمل عملا صالحا يريد به التقرب إلى الله
فيطرأ عليه أمر ما فيصرف بعض اهتمامه وعنايته لرأي الآخرين، وكذلك من أنواعه، إظهار
المودة للغير والقيام له بالخدمة مع إضمار عكسه في النفس.
عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ
كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى
يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " رواه مسلم
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "
آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ،
وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " متفق عليه
عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «حُبُّ
الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ» متفق عليه.
عَنْ
أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْعِيُّ وَالْحَيَاءُ: شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ،
وَالْبَذَاءُ وَالْجَفَاءُ: شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» رواه الحاكم
وَعَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا
يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ. َأيْ: عَنْ
صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد مِنْ غَيْر عُذْر، أَوْ لِوَصْفِ الدَّوَام.
هذه
بعضا من صور النفاق الاعتقادي والعملي، فالاعتقادي مخرج من الملة والعملي الذي
يبقى معه أصل الإيمان في القلب هو من كبائر الذنوب ولا يُخرج من الملّة، ويكفي في
قبح النفاق العملي أن فيه مشاركة أعداء الله بعضا من صفاتهم القبيحة وأنه طريق
للنفاق الأكبر المخلد في النار.
طيب
هنا يرد تساؤل حول قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: " أَرْبَعٌ
مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ
مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ
كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
" والتساؤل هو هل صفات النفاق العملي ناقلة لفاعلها إلى النفاق الاعتقادي
الأكبر مع أن أصل الإيمان باق في القلب؟
يجيب
عن هذا التساؤل الإمام النووي رحمه فيقول: فَالَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ
وَالْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ
خِصَالُ نِفَاقٍ وَصَاحِبُهَا شَبِيهٌ بالمنافقين فِي هَذِهِ الْخِصَالِ
وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِهِمْ، فَإِنَّ النِّفَاقَ هُوَ إِظْهَارُ مَا يُبْطِنُ
خِلَافَهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْخِصَالِ وَيَكُونُ
نِفَاقُهُ فِي حَقِّ مَنْ حَدَّثَهُ وَوَعَدَهُ وَائْتَمَنَهُ وَخَاصَمَهُ
وَعَاهَدَهُ مِنَ النَّاسِ، لَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ فِي الْإِسْلَامِ فَيُظْهِرُهُ
وَهُوَ يُبْطِنُ الْكُفْرَ، وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِهَذَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ نِفَاقَ الْكُفَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِي
الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَعْنَاهُ شَدِيدُ الشَّبَهِ
بِالْمُنَافِقِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخِصَالِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا
فِيمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ غَالِبَةً عَلَيْهِ فَأَمَّا من يندر ذلك منه
فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ.
والنفاق
العملي هو النفاق الذي خافه الصحابة على أنفسهم.
يقول
ابن رجب: ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية
خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر
برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقاً،
كما في (صحيح مسلم) عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو
بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ
حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ
وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ
وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ،
حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ:
نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا
بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ
عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا
كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي
الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ،
وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
وقد
بوّب البخاري رحمه الله في صحيحه بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ
عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ ثم قال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا
عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ
ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ،
مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ
" َيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلاَ
أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.
ويجب
الانتباه لمسألة مهمة وهي أنه ولا يلزم من خوفهم من النفاق وقوعه منهم، بل ذلك على
سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم، وخلاصة القول في النفاق
الأصغر: أنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفر، وذلك
كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وكإظهار مودة الغير والقيام بخدمته مع إضمار بغضه
والإساءة إليه وكالخصال الواردة في حديث شعب النفاق ونحو ذلك، فعلى المسلم الحذر
من الوقوع في شيء من ذلك.
وذلك
باستحضار علم الله واطلاعه وشدة وسرعة عقابه، وبصدق العزيمة في الإخلاص ومحاربة ما
يرد على القلب من حب الذِكر والثناء الحسن على العبادة، فإنه لابد وارد، ولكن
نجاهد في صرف حبه عن قلوبنا ما استطعنا لذلك سبيلا.
أسأل
الله بمنّه وكرمه أن يمنّ علينا بالعون على طاعته والتوفيق لمرضاته والهداية
للسبيل القويم ومجانبة صراط المغضوب عليهم والضالين وأن يجعلنا هداة مهتدين وأن
يغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وأحبتنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات
وصلى الله وسلم على سيدنا وإمامنا عبد الله ورسوله ومصطفاه محمد بن عبد الله وعلى
آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق