مع حادثة الإسراء والمعراج خطبة الجمعة 14 / 7 / 1442 هـ

 الحمد لله الولي الحميد، العزيز الحكيم، الودود ذي العرش العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فاتقوا الله السميع البصير الرقيب واتقوا ملائكة تكتب كل صغير وكبير واصنعوا لأنفسكم بهجة حينما تتلقون كتابكم فترون كل ما نسخ فيه يسركم ويبشركم "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا " جعلنا الله ووالدينا وأحبتنا من أهل اليمين السعداء في الدينا وفي الآخرة. 

عباد الله وبعد أن أنزل الله تعالى قوله الكريم "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ قُمۡ فَأَنذِرۡ" بادر رسول الله e لتنفيذ أمر ربه، فصادمته بعنف وقسوة قريش وحاربوه وحاربوا أتباعه واضطهدوهم في كل مجال وبكل نوع من الإيذاء مما فاق تخيل البشر، ثم حوصر عليه الصلاة والسلام مع أصحابه ومن تعاطف معه من بني عمه لثلاث سنوات ومات عمه الناصر له وماتت زوجته مأوى روحه وأنسه، وبلغ الأذى من قريش مبلغه فيه وفي صحبه، فيذهب عليه الصلاة والسلام إلى الطائف علّه يجد نصرة، فلا يجد سوى أذية كسرت قلبه وأدمت قدميه بحجارة الصبيان والسفهاء، ليبدأ اليأس يدب في قلوب بعض أصحابه ولينزل به عليه الصلاة والسلام من الضيق ما الله به عليم، ويزداد الأمر سوءا أن لا بصيص أمل يرى في الأفق، 

ينام عليه الصلاة ليلة عند الكعبة في الحجر، وفي سكون الليل يأتيه جبريل يأخذ بيده نحو دابة غريبة اسمها البراق أكبر من البغل وأصغر من الفرس، لتنطلق بهما نحو بيت المقدس، فيجد جمعا من الأنبياء يتقدمهم إبراهيم وموسى وعيسى قد اجتمعوا لأجله فيصلي بهم ركعتين، ثم يأخذ جبريل بيده نحو صخرة بيت المقدس ليعرج به إلى السماء ولكل سماء حرسها لا يفتحون لهما حتى يتأكدون منهما، فيجد في كل سماء نبي من الأنبياء يرحب به ويدعو له، يمر بآدم عليه السلام فيسلم عليه ويرد عليه آدم السلام مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ووجد عن يمينه وشماله اسودة أي كثرة بشر وهو يضحك إذا رأى أهل اليمين ويبكي ألما إذا رأى أهل الشمال ضحك وفرحة الأب بنجاة وسلامة أولاده وألم وبكاء الأب حسرة على من ضل وشقي من أولاده بسوء سلوكهم واختيارهم، ويمر بعيس ويحي عليهما السلام ثم يوسف ثم إدريس ثم هارون ثم موسى ثم إبراهيم وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور عليهم السلام جميعا، ويمر بالجنة فيرى نعيمها وعجائبها ومقعده فيها، ويرى النار وأهوالها ويشاهد صور من العذاب لأهل المعاصي فيها، ثم يتقدم إلى قرب سدرة المنتهى فيقول له جبريل عليه السلام امض فإنك إن تمض تخترق وأن أمض أحترق، فيتقدم عليه الصلاة والسلام وهو يرى جبريل يتعلق في سدرة المنتهى ثم يتدلى، ثم يتفاجأ بتلك السدرة وقد تلألأت بالأنوار لاقتراب المولى جلّ وعلا فيحظى عليه الصلاة والسلام بتكريم ما بعده تكريم حيث يكلمه الله العظيم مباشرة بلا واسطة ثم يعود في ليلته، فينسى كل ما مرّ به من أذى، وتفرض عليه وعلى أمته الصلاة، لتدرك الأمة شرفها إذ كلفت بالفريضة مباشرة عبر نبيها، ولندرك أهمية هذه الفريضة وكيف هي عناية الله بها فيكن ذلك دافعا لنا كي نكون مهمين عند ربنا ومعتنى بنا من قبله جلّ وعلا. 


الحمد لله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم سيد ولد آدم اجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله، 

في ضرب من ضروب الخيال العلمي الحديث يتحدثون بثقة عن إمكانية نقل البشر عبر الأثير ويستمع لهم محبهم فيؤكد تلك الفرضية وهو لا يملك سوى الخيال والثقة في غيره ثم ينكر حادثة الإسراء والمعراج، 

في قصة الإسراء والمعراج وما سبقها وما تلاها عبرة لكل مسلم، منها أنك إن كنت صادقا مع ربك فالله أصدق منك ولن يخذلك ولن يكلك لنفسك ولا لغيرك سيتولاك، ومثل ما كنت حادثة الإسراء والمعراج جابرة لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومذكّرة لهم أنهم على الصراط السوي، فستجد من ربك جلّ وعلا ما يشعرك بولايته لك ويذكّرك به ويجبر قلبك في أحلك المواقف سوء وشدة، ستجد رسائل يرسلها لك ربك عبر خاطرة أشبه ما تكون بوحي أو رؤى أو مواقف أو أشخاص، من خلالها تشعر بقرب ربك وأنه معك لتتفتح لك أبواب أمل ما كنت تراها ولا تعلمها، فربك ما ودعك وما قلى ولسوف يعطيك فترضى ما دمت صادقا لا تشرك به شيئا تعظّم ما عظّم وترعى وتعتني بما أحب وأوجب واعتنى، ما دمت ممن يتعرف إلى الله في الرخاء ما دمت ممن يحفظ الله ما استطاع لذلك سبيلا، المهم استحضر فيما يمرّ بك أو تسمعه مما فيه تثبيت لقلبك وعون لك على مسعاك أنه رسالة من ربك.

عباد الله موعد حادثة الإسراء والمعراج الآراء فيها مختلفة اختلافا كبيرا جد، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه يستذكرون حادثة الإسراء والمعراج إلا لتدارس أحداثها وأحكامٍ أقرت فيها وتأكيد على الإيمان بها وبكل ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ولقد أتى البعض بأخبار وأحاديث غريبة عجيبة لم تثبت عن رسول الله البتة فزادوا ترغيبا وترهيبا بما هو كذب على الله ورسوله وابتداع مناسبات واحتفالات هي بهتان على الله ورسوله. حادثة الإسراء والمعراج عامرة بالعبر والفوائد والنوادر ومرققة للقلب المؤمن، والمسلم بحاجة لمراجعتها في كتبها المستقلة المحققة وهي كثيرة وسهل الحصول عليها. ودوما لنستحضر قول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا " وليس ثمة سرور يوم القيامة بعيدا عن سنة رسول الله واقتفاء آثاره وعدم الابتداع في شريعته

عباد الله أكثروا الصلاة والسلام على نبيكم فقد تمنى أن يراكم وأن يسعد بكم وهو في شوق للقائكم عند الحوض، فأحق الناس بصحبه أحسنهم خلقا وأحقهم بشفاعته اكثرهم عليه صلاة، وصلاتكم عليه تبلغه والله يصلي عليكم بدلا منها عشرا.  



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل