خطورة العبث بالمال العام خطبة الجمعة 26/ ربيع ثان / 1442
الحمد لله العزيز الحكيم الرزاق ذو القوة المتين والشكر له سبحانه على فضله وقَدَرهِ وحكمة تدبيره أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله وارقبوا خالقا عليما، واحذروا ملائكة كراما لا يفارقونكم، كتبة وحفظة لكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الأعمال والأقوال يقول الله تعالى "وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا " ويقول سبحانه "هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ"
عباد الله من المُسلّم به أن الله تعالى إذا أراد تبيان أهمية أمر ما وعظمته عنده وخطورة التهاون والتفريط فيه تولى الأمر به وتنظيمه بنفسه المقدسة، وأكد الوعد الجزيل لمن عظّم ما عظّمه جلّ حلاله واعتنى به، وشدد الوعيد على من فرّط وتهاون به، ومما تولى الله الأمر به وتنظمه المال العام، إيرادات بيت المال وأوجه صرفه المعروف حاليا بإيرادات الدولة وأملاكها وأوجه الصرف منها.
ولم يأذن الله عزّ وجلّ لأحد أن يأخذ شيئا من المال العام بغير حق وجعل للإمام حق تصريفه على مصالح الناس وفق آلية معينة معلنة يتساوى فيها الجميع لا ينال منها أحدٌ شيئا إلا مستحق، لا يشوبها ظلم ولا تتيح لمتلاعب فرصة العبث بها، وفي قول الله تعالى "وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَخَازِنٌ وَاللَّهُ يُعْطِي" البخاري. أي توزيع العطاء وتعيين مقاديره من الله سبحانه وتعالى وأنا أخزن الأموال ثم أقسمها بين مستحقيها كما أمر الله.
ولهذا كان اهل الصفة في المدينة لا يملكون سكنا ولا مصدر للدخل إلا ما تيسر من صدقة أو غنائم وصلت لرسول الله e ولم يُعلم عن أحدهم أنه تذمر ولا أنه عمد للتحايل لأجل محرم، بل علموا فسمعوا وأطاعوا وسعوا على أنفسهم فكانوا مضرب المثل في الفرج بعد الشدة، وبالكسب بعد السعي في السبب.
حرم سبحانه الأخذ من إيرادات الدولة وأملاكها بأي نسبة ولو صغرت ولو كثر الآخذين بغير حق، ولا حق لمن لم يقسم الله له حقا يَقُولُ e: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» البخاري. والمراد تحصيل المال من غير وجهه كيفما أمكن. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ e إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ e عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ e يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ e: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» مسلم.
كما حرم التهاون في المهام الموكلة لأي منا بمقابل مالي، وجعل ذلك من التطفيف الموعود عليه بالويل "وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ" نسأل الله الإعانة على أداء الأمانة وإبراء الذمة والعصمة من كل فتنة مضلة
الحمد لله أعطى فضلا وأعطى استدراجا وحَرَمَ عقوبة وحرم رحمة وحكمة والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وقدوة وبشرى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى» مسلم.
قد يتيسر لأحد ما الوصول للمال العام فيأخذ مكافأة لا يستحقها وخارج دوام لم ينفذه ويكون بيده أمر تلاعب بأوراق تملك لفلان وفلان ليُملّكه ما ليس له بملك وبغير حق، أو يقدمه على غيره في وظيفة ويحرم غيره، أو يلغي مخالفة مرورية لمعرفة بينما غير المعروف يُلزم بها، أو يعبث في أجهزة الخدمة العامة الكهرباء أو الماء ونحوها، ولو رأى أنه مظلمة أو رأى بساطة الأمر وهونه فإنه عند الله عظيما، والمظالم تسترد في الدنيا وفي الآخرة فطب نفسا، هذا فضلا عمن مرر معاملة غير نظامية بمقابل مادي أو معاملة بالمثل فتلك رشوة ملعون أهلها عياذا بالله تعالى، وفي ذلك كله يأتي قوله صلى الله عليه وسلم: "يا كعب بن عجرةَ! إنَّه لا يدخلُ الجنَّة لَحمٌ ودمٌ نَبَتا على سُحْتٍ؛ النارُ أوْلى بِه، يا كعب بن عجرة! الناسُ غادِيان، فغادٍ في فكَاكِ نفْسِه فمُعْتِقُها، وغادٍ موِبقُها". الترمذي، وابن حبان وصححه الألباني اقنع بالحلال وأقنع نفسك به وألزمه فثمة بركة تحوطه وإن قلّ وثمة محق للمحرم ولو كثر وتيسر، وكم من عاقبة للمحرم نزلت عللا وبلاء وتفرقا واختلافا بالأسرة لتكون لصاحبها حسرة قبل الحسرات بعد الموت، ثق أن رحمة الله قد جعلت مع كل قَدَرٍ حكمة ورحمة فاهنأ بما أنت فيه ولا تفسده بتسخط ولا بجرأة على محرم، تفقد نعم الله عليك وتفقد آثارا جميلة اخفاها الألم والتذمر فاحمد واشكر المولى وستجد حياة لحياتك، وستجد أن البلاء قد صار رحمة ونعمة.
اللهم نسألك الهداية لفكاك أنفسنا
والعون على ذلك وأن تكفينا بحلالك عن حرامك وتغنينا بفضلك عمن سواك نسألك اللهم
الهدى والتقى والعفاف والغِنى. وان تكفينا شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته.
تعليقات
إرسال تعليق