القلوب وواجبها تجاه بشائر الرحمن الجمعة 5 / ربيع ثاني / 1442

 الحمد لله البر الرحيم واسع الفضل والعطاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته عمّت خلقه وسبقت غضبه أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، 

وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا أن الله وعد المتقين بأنه جلّ جلاله معهم وأنه مؤيدهم وناصرهم ومفرّج همّهم ورازقهم من حيث لا يحتسبون بأفضل مما يحتسبون، ومن أصدق من الله قيلا؟ فبقيت التقوى منا ليحقق الوعد لنا سبحانه وتعالى. 

عباد الله إن من قرأ القرآن فإنه ولابد قد لحظ اشتماله على بشارات عديدة إذ الله تعالى يحب أن يبشر عباده بما يسرهم ويحفّزهم ويرغّبهم، فالقرآن بشارة 

{طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ

والنبي e بشارة ومأمور بنقل البشارة 

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا} 

وهكذا الأنبياء كلهم يُرسلون بالبشارة كما أرسلوا بالنذارة، ويجب سبحانه من عباده من ينشر البشرى في حياتهم وما ذاك إلا لإغلاق باب اليأس والتشاؤم ولبث روح الأمل والتطلع للأفضل مع العمل وبذل الوسع فيه وعدم الاتكال، 

وإنك إن بشرت ولدك بإهدائه ما يحب فالمفترض أنه يجتهد فيما يرضيك عنه وينشط في العمل الذي فتر عنه وإلا ألغيت وعدك وبشارتك له، 

ولله المثل الأعلى يرسل لنا ربنا جلّ وعلا ما يذّكرنا ويحفّزنا ويفتح باب الأمل لنا ويعيننا على العمل وينبهنا إلى فتورنا وكسلنا علّنا نعيَّ فنسعى إليه بما شرع ليرضى عنا فنسعد بما بشّرنا به، 

وإن من البشارات التي يهبها الله تعالى لخلقه الأعمال الصالحة يُهدى لها المرء فإن من كرهه الله كرّه إليه العمل {وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ

فأن تصلي وتدعو فهذه بشارة لك فاستبشر واثبت وازدد، 

ومشاعرك تجاه الرياح إما أن تكون بشارة أو نذارة {أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ

فالرياح تبشر بالخير والأخبار عن الحالات المناخية تبشر بالخير والهداية لصلاة الاستسقاء تبشر بالخير وهذا الجمع هذه الساعة يبشر بالخير وتلك القلوب التي تتحرك مشاعرها نحو السماء تنتظر العطاء الإلهي تبشر بالخير كذلك، فالقلب الذي يتحرك كما يفترض منه يستحق الفوز بما بُشّر به

 يقول الله تعالى { يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ

إن يعلم الله في قلوبكم خيرا تجاه ما أرسل لكم من بشارات يؤتكم خيرا مما أمّلتم وتوقعتم، وأما إن مرّت تلك البشارات الإلهية بدون مشاعر طيبة تجاهها بدون مشاعر يرضاها الله تعالى، كان الحال كحال بشارة الأب مع ولده المعرض عنه المتهاون بما بُشّر به. 

بشارات الله تخاطب القلوب فيجب أن تتحرك لها القلوب تعظيما وتوقيرا لله تعالى وإحسانا للعمل وتطلعا لفضله تفاؤلا بتلك المبشرة 

{فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا

كل وعود الله وبشاراته مُعقّبة بالتوجيه لتحريك القلب اعتبارا وتذكرا وبعثا للعمل والإحسان فيه، فتحرك القلب بمثابة الشرط لتحقق الوعد، ومن حقق الشرط تحققت له البشارة والوعد.

{ أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} اللهم يا ولي يا حميد تولنا بلطفك وفضلك ارحمنا واغفر لنا

الحمد لله العلي العظيم الجليل الكريم الولي الحميد يحي ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وإماما للمرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله 

فالله جلّ جلاله صاحب الأمر والقَدَرِ وكل شيء بأمرهِ وقَدَرِه يحكم ويقضي ويقدّر لا رادّ لقضائه ولا مانع لعطائه هو الغفور الرحيم وهو شديد العقاب وهو الملك سبحانه إلا أنه رحمة منه وعدلا وفضلا قد نقل قرار خيار تحقق مطلوبك منه سبحانه وتعالى إليك أنت وجعل مدار ذلك على قلبك وما يحمل،

 إن أخطأت فأضررت بأحد مرّ خطؤك بأقل ضرر وإن تعمدت الضر حاق بك مكرك ودمرك، 

وإن دعوت بتشارك من لسانك وقلبك فتدعو وقلبك وفكرك خاشع خاضع وقلبك وجل مطمئن وأنت موقن واثق بقدرة ربك واستماعه وسعة فضله واستجابته فزاد اطمئنانك وارتفعت همّتك للعمل فاستبشر بدعائك واعلم أن الأسباب قادمة فتعرف إليها ثم تفاعل معها، 

المهم دوما تفقد قلبك فطهره ما استطعت وإن نزل بك ما يضرك فلا تلم الناس ولم قلبك فإن وثقت من طهارته فاعلم أنك على خير وستحفظ وتنصر وتقر عينك، 

وإن احتجت غيثا فلا جالب له مثل قلبك فاستغفر وأنت خاضع خاشع عارف بقدرة الله وعالم بذنبك وتقصيرك ولا شأن لك بالناس وما في قلوبهم فالمهم أنت، 

ولو كنت ذا شأن مرتبط بالمطر ولم ينزل بسبب فسق الناس وعصيانهم فاعلم أنك مبتلى ولكنك محفوظ من الضر بسلامة قلبك وصدق دعائك ولربما أغيث الناس على عصيانهم بسببك. عباد الله وكانت الخاتمة لنزول الوحي خاتمة الخطاب الإلهي للنبي ولأمته هي قول الله تعالى 

{وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} يوما أعد للحساب على جودة العبادة أو التهاون فيها يوما لتصفية الحسابات بين الخلائق، نزلت هذه الآية فأدرك رسول الله e أنها هي النهاية فخرج للبقيع يودع أصحابه وبكى تمنيا لرؤية إخوانه أولئك القوم الذين يؤمنون به ولم يروه الذين حذّرهم ان يغيّروا في شريعته كي يلقاهم عند الحوض فتكون الفرحة غامرة بينهم هو عليه الصلاة والسلام فرح بكم وأنتم فرحون به، 

واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فلا تفسدوا الفرحة المفترضة ولا تضيعوا البشارة المرتقبة، استبشروا بكل ما يبشركم به الله وتفاءلوا بكل خبر خير وأحسنوا الظن بعد كل عمل صالح وأكثروا الدعاء طلبا للمغفرة والرحمة والفضل استغيثوا تغاثوا لا يضركم من ضل إذا اهتديتم 

اللهم نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ونستغيث برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمنا وأن تغفر لنا وأن تهدي قلوبنا وأن تسبغ فضلك علينا وأن توالي البشائر علينا وأن توفقنا وتعيننا على تحقيق أسباب الفوز ببشاراتك لنا، اللهم أغثنا غيثا هنيئا مريئا سحا غدقا طبقا مجللا عاما نافعا غير ضار غيثا تغيث به قلوبنا فتخشاك وترجوك وتتعلق بك غيثا يبعث الهمة في قلوبنا لكسب رضاك غيثا تجري به أوديتنا وتملأ به سدودنا وتهتز به ارضنا فتنبت من كل زوج بهيج غيثا ينبت الزرع ويُدر الضرع وتشرق به الأرض ومن عليها.  أعز اللهم الإسلام والمسلمين والطف بالمستضعفين. 

أيّد اللهم إمامنا وولي عهده بتأييدك انصرهما وانصر جنودهما وادحر عدوك وعدوهم. 

آتنا اللهم من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رشدا واغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم وأزواجنا وأحبابنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم غنك حميد مجيد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل