خطبة الجمعة ( الحياة السليمة تكون بالأخذ بالأسباب المادية والروحية )

 إن الحمد لله نحمده ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له إلا هو، ونسأله سبحانه هداية ورشادا وعفوا وعافية، أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 

فاتقوا الله فإن مع التقوى ما لا يخطر ببال من الخير حفظا ورعاية وعناية ومن تبدل الأحوال إلى الأفضل وما لا يخطر ببال من الرحمات التي خص الله بها عباده المتقين يقول ربنا جلّ وعلا {قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِ‍َٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ}

 الرحمة وسعت الجميع ولكنها حقا عليه سبحانه وتعالى كتبه على نفسه جلّ جلاله لعباده المتقين، فاتق الله في كل شأنك وثق أن رحمة ربك قد أحاطت بك وتفاءل بأنك لن تحرم خيرا ينفعك ولن يضرك كيدا يدبر لك. 

عباد الله إن من المُسّلم به أن الخطأ يجلب الغضب على المخطئ، والعبد يخطئ بمخالفة أمر ربه ويجلب لنفسه سخط خالقه، وإن سَخِط الخالقُ استحق العبد المخطئ كل عقاب مترتب في نفسه أو وطنه أو بيئته، ومن عظمة الله جلّ جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته أنه كتب على نفسه أن لا يدوم غضبه وأن يرتفع سخطه وعقابه إذا أناب إليه عبده واستغفر واعتذر من خطأه ليكون الرضا بديل الغضب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» متفق عليه. 

وإن ما يحدث من تغير في الكون فيكدّر أو يخوّف فهو من الله للمؤمنين تذكرة ودعوة لتغيير ما في النفس من ميل للشهوات المحرمة ودعوة للاستيقاظ من الغفلة وتنبيه لضرورة الاستغفار والتوبة اللذين تم التقصير فيهما، ومن ذلك التغير كثرة التصحر وجفاف الآبار بسبب قلة الأمطار، إن الحياة لتشرق وإن النفوس لتبتهج إذا نزل المطر، ذلك أنه غيثٌ يحي به الله تعالى البلاد وقلوب العباد ليتغير الكون نحو ما يحبه العباد من الخير، 

ولأن رحمة الله سبقت غضبه فالدعاء يدفع القدر، ومن القدر أن المناخ تبعا للأحوال الجوية ما بين منخفض جوي ومرتفع وأبخرة ماء تسوقها الريح من هنا أو هناك. هذا وإن مما قضى به الله تعالى أن الكون بكل أحواله وأعراضه تبعا لدعوة صادقة من قلب مؤمن، 

فبالدعاء تُسخر القلوب وتطيب النفوس وتتحول الحياة بكل تنوعها تبعا لذلك الدعاء إن صدق وطهر قلبُ ومالُ وقصدُ الداعي. 

وإن التوبة والاستغفار بأمر الله أشبه ما يكونا حبال يُجرُ بها الخير، ومن أكثر منهما أكثر لنفسه من أسباب تحقق الخير المرجو. {فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا} عظّموا الله واعتنوا بالأسباب ثم اطلبوا ما تحتاجون وثقوا بأن مطلوبكم وسؤالكم قد وصلا إلى صاحب الأمر وهو مستحق التنفيذ.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله، 

ينطلق بسيارته متهورا لا يلقي بالا لأنظمة المرور ولا لظروف الطريق ولا لحقوق الآخرين في الطريق فإذا وقعت منه كارثة على نفسه أو على غيره أظهر الندم وبرر بتبريرات هي أشد وطأ من كارثته، وهكذا من يفرّط في الأسباب لا يتقي سخط الخالق ولا يتقي سببا لحجب الخير، فإذا تضرر الناس بسبب معصيته وسلوكه برر بما زاد في وجع قلوب المتضررين فكم حُرم الناس من الغيث بسبب الذنب ينتشر، 

ومثله من لا يتقي أسباب تنقل الوباء فيظهر عدم المبالاة مع أن هذا الوباء يتجدد ويتسع، يتأخر عن الصلاة ثم يجيء بلا كمامة ويدخل بين اثنين مستغلا التباعد ضاربا عرض الحائط بحق ومشاعر غيره بحجة أنه يتقرب إلى الله، ووالله لقد ظلم وتجاوز وأساء لنفسه ولغيره فاستحق إثما، 

فاتقوا الله في إخوانكم وفي مساجدكم واحذروا الوباء على أنفسكم وعلى إخوانكم، احذروا لا ينسب نقل العدوى إليكم لأنكم ولا تنسب إعانة السفهاء على التجاوز إليكم، فالواجب أن تكون للمتقين إماما في كل شأن، 

اعتنوا بالكمامة وقاية لكم ولغيركم وبالسجادة الخاصة كذلك،

 وأنك إن تصلي في صف لوحدك لأنك لم تجد مكانا معدا للصلاة -والفراغات بين المصلين ليست مكانا للصلاة- أو أن ترجع لبيتك لم تصل مع الجماعة خيرا لك من أن تعرّض الآخرين للخطر أو تنزل بهم انزعاج وقلق، 

ومن الأخذ بالأسباب لحياة سليمة أخذ اللقاح ضد الأنفلونزا الموسمية في هذه الفترة من العام ففيها خير عظيم وهي مُعدّة بعلم دقيق ليكافح مسببات المرض وبحمد الله فهي تقدم مجانا للجميع وبدون الاضطرار لحجز مواعيد مسبقة وفي ذلك حماية ووقاية للنفس وحفظا للبشرية وحجة على كل مفرّط، والمؤمن مؤتمن على جسده وعلى صحة مجتمعه،

 تذكروا عباد الله أن التوبة جالبة لرضا الرب وفرحته بعباده، وأن الاستغفار والأخذ بالأسباب سبب للخير المرجو في كل حال وشأن وأن التهاون في حقوق الآخرين سبب لجفوة مستحقة من المجتمع ولذا فهو سبب لجفوة مستحقة من الخالق جلّ وعلا، فإن كان أحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم فيكون أبغض العمل كدر تصنعه لمسلم. ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم جلّ في علاه {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل