ولا تجعل يدك مغلولة ولا تبسطها كل البسط
الحمد لله، الغني الكريم البر الرحيم، الملك الخالق الرازق ذي القوة المتين. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله واعلموا أن مما امتازت به شريعة الإسلام كونها ربانية تتجلى فيها العناية الإلهية بالعباد، ففي كل تشريعاتها تجد قوله e «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»
تجد في كل تشريع وفي كل قدر رحمة الله جلية واضحة بيّنة أعظم من رحمة الأم فالأم إنما تعطي بقدر بسبب الرضا والحب تمنع حينا لأجل دفع ضر، ولو خالفت ذلك لانتفت عنها صفة الأم والله أعلى وأجل وله المثل الأعلى سبحانه وتعالى.
وإن مما تتجلى فيه رحمة الله تعالى ورعايته، عنايته سبحانه بالحالة النفسية والاقتصادية لعباده، فلكي يكون العبد في حال نفسية جيدة يستطيع معها أداء مهامه البشرية تعبدا واستخلافا اعتنى جلّ وعلا بالحالة الاقتصادية لعباده فنظّمها ووجّه إلى كيفية توظيفها للمصلحة الشخصية والأسرية والمجتمعية، ذلك أنها عصب الحياة ولا قوام للحياة بدونها. فحرم جلّ وعلا البخل وكذلك حرم الإسراف وجعل التوازن بينهما سبب الفلاح، فلا حرمان من المتع المباحة ولا إسراف فيها، لا إفراط يسبب الغفلة والضرر ولا تفريط يسبب التقصير والبعد والضرر، بل حتى النفقات الواجبة أوجب سبحانه أن تكون وفق الحال وفي حدود متوازنة مع الحال الاقتصادية الشخصية تأمل قول الله تعالى {وَيَسَۡٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ} أي الزائد عن الحاجة القائمة والمتوقعة،
وقف طويلا متأملا عند قوله جلّ في علاه {وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا} ففي الصدقة والحقوق الواجبة السرية وغيرها منهي عن الإفراط وعن التفريط فكيف بباقي النفقات، إنك حينما تبخل فتحرم النفس والأهل من الحق الواجب أو تزيد في النفقة فتعبث بما آتك الله لأجل متعة عابرة، ففي كلتا الحالتين فإن الحسرة ولومك لنفسك ولوم الآخرين لك واقع بك لا محالة، ومن ثم حالة نفسية متردية لا تتعبد لله جيدا ولا تمارس حياتك جيدا.
وصف جلّ وعلا طائفة من عباده بأنهم عباد للرحمن ومن صفاتهم {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} نفقة معتدلة في المعيشة وفي الزينة وفي استخدام الماء والكهرباء، نفقة وفق الحال المقسومة لا وفق ما تشتهيه النفس وتتباهى به. وإن التوازن في النفقة فلا إفراط ولا تفريط ولا تهاون في محرم ولا تفريط في واجب لأجل كسبها هو التقوى الجالبة للمخرج من الضائقة ولليسر من كل عسر ولعِظم الأجر على ما نزل وحدث إن اتقي الله فيه، وللفاروق عمر tكلمة خالدة في هذا السياق احفظها ورددها عند كل تسوق "أكل ما اشتهيتم أكلتم" قل أكل ما اشتهيتم اشتريتم؟ أكل ما اشتهيتم عبثتم؟ فاتقوا الله وراقبوا النفقة التي تنفقون ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما، فبها تقوم حياتكم وبها تصفو لكم نفسيتكم وتجوّد لكم صحتكم وترتاح قلوبكم، فلا تؤتوها السفهاء، ولا تكونوا مثلهم لا تدرون أين ضاعت مرتباتكم قبل نهاية الشهر، ولا تقس حالك بحال غيرك ولا تكثر التذمر بسبب المتغيرات التي تنزل فإن الحسرة التي بك إنما هي قلة تدبير واستسلام لشهوات النفس ورضوخ لوهم إسعاد السفهاء، ومسايرة رغباتهم العابثة المتنامية إنما هو إيتاؤك مالك لهم ليفسدوه.
تعليقات
إرسال تعليق