الزينة والتجمل عبادة وفطرة

الحمد لله خلق الإنسان في أحسن تقويم وصوّره فأحسن صورته ورزقه وكرّمه ونعّمه، وأحب أن تُرى آثار نعمته وتفضيله على عبده أشهد أن لا إله إلا هو وحده الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله النبي الكريم أكرم الخلق على الله وأعلاهم منزلة وأكثرهم بهاءً ونوراً وجمالاً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فاتقوا الله واطلبوا رضاه يرضيكم ويرضى عنكم ويكرمكم. 
عباد الله لقد امتن الله تعالى على خلقه بما وهبهم من فكر ومن نعمة تسخير كل شيء لخدمتهم، فقال سبحانه { أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ
ولأجل هذا التسخير أمر سبحانه بالتزين في الأماكن المفترض التزين فيها والتي يظهر فيها العبد أمام الناس ويصافّهم تشجيعا لهم على إحسان العمل والترغيب فيه وأولى ذلك التزين عند الحضور للمساجد تطهرا وترغيبا لقرب الملائكة وإعانة للعباد على تجويد الصلاة فقال جلّ وعلا {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ
يقول في أحاديث صحاح: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام:" إنّ اللَّهَ تَعَالَى جَميلٌ يحِبُّ الجَمالَ ويحبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ ويَبْغُضُ البؤس والتباؤس" 
التباؤس الذي يُظهر العبد ضعيفا خنوعا فيحتقره الناس ويذمونه، وإن لشكر النعمة عنوان وهو إظهار الجمال في الملبس والحال ولا جمال كجمال النظافة والأخلاق وطيب الرائحة والظهور بمظهر مألوف حسن، وكان يتميز بحسن المظهر وطيب الرائحة حتى أنه إذا أقبل سبقته رائحة الطيب، وكان يعنّف من أهمل مظهره عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ زَائِرًا فِي مَنْزِلِنَا، فَرَأَى رَجُلًا شَعْثًا، فَقَالَ:  «أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ» وَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» وعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ فِي هَيْئَةِ أَعْرَابِيٍّ، فَقَالَ: «مَا لَكَ مِنَ الْمَالِ؟ » قَالَ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ قَدْ آتَانِيَ اللَّهُ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى الْعَبْدِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ تُرَى بِهِ» 
يقول جلّ جلاله { قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ } زينة الله بمعنى الله خالقها والله واهبها والله هو مبيحها وميسرها وقد جعل حب الزينة والجمال فطرة في النفوس البشرية عموما وأولى الناس بها هم المؤمنون، ومن تمتع بها في الدنيا وفق ما اباح الله منها تمتع بها في الآخرة. فلا يتخلى عن الزينة إلا من انحرف عن الفطرة وقد نقل عن عمر بن الخطاب t قوله:" إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم" بمعنى إذا وهبك الله رزقا فلتكن نفسك وأسرتك أولى بالتمتع به وليظهر عليكم من الزينة ما هو في مثل عادة مجتمعكم فلا ينقص حالكم عنهم ولا يزيد فيتحول لتباهي فيكون كفرا للنعمة وسببا لمحقها. 
وقد أقر النبي من طلب الجمال في كل شيء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ t، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ كِبْرٍ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي جَدِيدًا، وَرَأْسِي دَهِينًا، وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا، قَالَ: وَذَكَرَ أَشْيَاءَ حَتَّى ذَكَرَ عِلَاقَةَ سَوْطِهِ، فَقَالَ: «ذَاكَ جَمَالٌ، وَاللَّهُ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ» إن إظهار النعمة شكر لها وسبب للزيادة منها، تذكر أن الله ما تركك ولا أبغضك وسيعطيك حتى يرضيك وما سيأتيك خير مما أنت فيه بشرط فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث ومن التحدث بالنعم إظهار التجمل بها. أدام الله علينا فضله وأسبغه وزادنا من فضله ما يرضينا وأكثر

الحمد لله أحب التوابين وأحب المتطهرين وأحب المحسنين وأبغض المسرفين والمعتدين أحمده سبحانه وأشكره وأصلي وأسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه 
وبعد عباد الله فحب الزينة والتجمل فطرة والكل يعشق الجمال ويتطلع للتمتع به سواء في البشر أو في الطبيعة وكلنا يحب أن يكون مظهره حسنا، 
يتميز الشباب من الجنسين بمحاولة كسب انتباه الآخرين بأيسر السبل وبكل متاح والأقرب الأيسر هو التجمل، فإن أثار تجمله إعجاب أحد ما سعى لكسب مزيد من التعبيرات العاطفية من خلال إثارته لإعجاب من أبدى إعجابه، 
ولأن الرجال في العموم لا يعبرون كفاية عن إعجابهم بجمال ولدهم بخلاف النساء اللاتي يكلن صنوفا من العبارات المعبرة عن الإعجاب والاستحسان فقد أصبحت نظرتهن هي المستهدفة عنده وبالتالي يتجه للمبالغة في التجمل حتى يأخذ بعضا مما هو من خصائصهن كسبا لإعجابهن في إشباعٍ لحاجته للثناء عليه، 
أو قد يشمئز من التشبه بالنساء، والأب والأخ لا يعبران عما يرياه من محاولات تحمل بمظاهر الرجولة فيصبح نشازا مهملا لنفسه لا يبالي بجمال ولا بحسن هيئة، 
فقبل أن يلام على تصرفه المخالف للفطرة في التجمل أو في التشبه فلنبحث في أنفسنا عن السبب الذي دفعه لذلك والأقرب انه تعلق بأحد من أسرته فأهمل حاجته تلك، فلكل تصرف دوافعه،
 ثم إن ترك الصغير لذوق النساء في التجمل يفتح عليه باب التحرش الجنسي المدمر لحياته والذي أصبح مقلقا للمؤسسات التربوية عامة وأصبحت له برامج تستهدف مكافحته والقضاء عليه مما يدل على كثرة وقوعه، 
ولن يحمي الابن شيء كقرب والده أو أخيه منه واعتزازهما برفقته وبتشببه بهما ولن يقربهما إليه شيء كالتعبير عن القبول والاستحسان، 
وما يقال في الذكر هو كذلك في الأنثى 
فلنشبع غرائزهم النفسية حتى لا يسبقنا إليها أحد فنفقد من نتطلع لقرة عين منه. 
عباد الله أولى الناس بالتجمل هما الزوجان لبعضهما فلا تطلب وأنت لا تقدم { وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} درجة عليهن حتى في التجمل لهن، 
وأولى الأماكن بالتجمل هي المساجد فتؤخذ لها الزينة في الثياب وفي الرائحة وهذا أمر الله ولا خيار فيه {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ
وتبقى أجمل صور الجمال، جمال الأخلاق حينما تكتسب معاليها يقول :" إنّ اللَّهَ تَعَالَى جَميلٌ يحِبُّ الجَمالَ ويحبُّ مَعالِيَ الأَخْلاقِ ويَكْرَهُ سَفْسافَها"
تجملوا عباد الله وأعينوا من توليتم أمره على الجمال المناسب له اللائق به تحقيقا للفطرة وشكرا للنعمة وصيانة للأخلاق. 
عبروا لمن تحبون بما يحب لتعبروا معه بسلام نحو ما تحبون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل