وبالخشية والدعاء دخلوا الجنة


الحمد لله الملك العزيز الحكيم، الولي الحميد، خلق خلقه واختاره منهم من آمن به ووحده فأحبهم وأعدّ لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير الشاكرين الذاكرين صاحب المقام المحمود الشافع المشفّع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. 
وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه، واعلموا أن نبيكم في شوق إليكم وأن الله أعدّ له حوضا يلتقيكم عنده، فالزموا سنته تفرحوا به ويفرح بكم. 
عباد الله وبفضل الله ورحمته دخل أهل الجنةِ الجنةَ وأخذوا ما أعدّه الله لهم من النعيم تفكهوا به وأكلوا وشربوا وهم في راحة نفسية واطمئنان فلا تبعة للأكل ولا للشرب، وزادهم ربهم من كل ما يتمنون ويشتهون، ولمّا اشتاقوا لأسرهم وأهليهم جمعهم ربهم سوية في منزلة الأعلى منهم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال، أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَجْمَعُ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ ذُرِّيَّتَهُ فِي الْجَنَّةِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَيْهِ، أ هـ وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ ذُرِّيَةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ  لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ. 
تأمل قول الله عز وجلّ { إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓ‍َٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ مُتَّكِ‍ِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۢ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ
وقوله سبحانه { جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ
فقرة العين باجتماع الأهل الوالدين والزوج والأولاد، 
وبعد اكتمال هذا النعيم تتطلع النفوس البشرية كعادتها في الدنيا لنعيم آخر فتتوق للالتقاء بالصحب والخلان {  إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِ‍ُٔونَ } أي هم ومن على شاكلتهم ممن حظي بنعيم الجنان، يلتقون فيتحدثون وهم يسقي بعضهم بعضا في أُنس وفرح، ثم يتساءلون عن العمل الذي استحقوا به دخول الجنة؟ فكل يُدلي بما يراه سبب دخوله من عمل وبعد حوار طويل تُستذكر فيه الأعمال والأحوال ولا تحصر ولا تجمع، يخلصون للسبب الصحيح وهو 
{ وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ
فقط مشاعر قلب وجِل من ربه { وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ } { هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ
ولذا كان الدعاء المشهور اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، هذه الخشية وهذا القلب الوجل كان للمؤمن حصنا عن المحرم، ودرعا ضد الشهوات والفتن، ودافعا لكل عمل خيّر ممكن، ومانعا عن الإقدام على كل ما يشين ويصد عن ذكر الله، ومحركا الفؤاد لكثرة الدعاء توسلا ورجاء وأملا في مغفرة ورحمة وفضل، 
وهل يُعد العبد عابدا وهو لا يدعو؟
 وهل يكون القلب وجلا وهو لا يتوسل لخالقه في الرخاء والشدة؟
 { وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } أي يستكبرون عن دعائي. 
وإن مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: الدعاء هو العبادة. وقوله: أفضل العبادة الدعاء. وقوله: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء. وقوله: إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما خائبتين. وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر. كل ذلك النعيم كان بسبب خشية عُمر بها القلب ودعاء لزمه العبد، 
وإنها لحظات أنس وراحة يعقبها ثقة واطمئنان وتفتح لأبواب الآمال، تلك اللحظات التي يناجي فيها العبد ربه وهو واثق من أن ربه قِبل وجهه وأن قد استجيب طلبه ولا يتحقق ذلك إلا بقلب وجِلٍ يُقدّر ربه معظما له. 
الحمد لله الحي القيوم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم بالمؤمنين رؤوف رحيم وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
تذكروا وعدا بنعيم الجنان تقر به الأعين يجلبه لكم الخشية والدعاء، فمع كثرة الذكر وتلاوة القرآن وصدق الدعاء، الله يستمع والنفس ترتاح والكرب تتساقط والقلب يعمر بالإيمان والقرب والتعلق بالرحمن، وذلك إذا خضع الداعي وصدق. 
وإن المؤمن ليحظى بتكريم عظيم في الآخرة يتعجب هو منه فيقال له هذا بدعاء ولدك لك، فما أحوجنا لصلاح أولادنا وما أحوجهم لصلاحنا، 
فصلاحنا سبب لحفظهم إن قصّروا وتهاونوا وعجزنا عن حفظهم، وصلاحهم سبب لقرة أعيننا ولرفعتنا في الآخرة، 
وما صلحت النفس ولا صلحت الأسرة بمثل الدعاء بالهداية والصلاح مع استحضار حضور المولى جلّ وعلا واستماعه. 
واستغلوا الفرص المقربة لكم عند ربكم فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". 
وكذلك يقول عليه الصلاة والسلام حاثا وموصيا بالدعاء بعد الفراغ من التشهد وقبل السلام:  ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو " 
ففي الصلاة إقبال من الله تعالى على عبده بحب ورضا ولذا يحلو الدعاء: يقول صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَنْقَلِبَ أَوْ يُحْدِثَ حَدَثَ سُوءٍ " 
واللحظات التي ينبغي استغلالها أكثر من أن تحصر هنا وهي مشهورة معروفة. 
وما فاز أحد كفوز من قدر الله حق قدره ولزم ذكره ودعاءه، ولا زالت النفوس المؤمنة تفرح وتنشرح كلما رأت يدا مرفوعة بالدعاء معظمة لله راجية إياه، فعظموا الله بالدعاء وحققوا آمالكم بالدعاء وحصنوا أنفسكم وأولادكم بالخشية من ربكم، واستعينوا على ذلك بالذكر تسبيحا وتكبيرا وتحميدا وتهليلا وتلاوة للكتاب العزيز واستعينوا على أنفسكم الأمّارة بالسوء بتخيل ما أعدّ الله لكم وبتخيل نبي كريم ينتظركم نسأل الله نيل ما وعد به عباده الصالحين وقرة العين برؤية النبي الكريم وبالاجتماع في جنات النعيم.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل