خطبة جمعة عن الوصية حق على كل مسلم


 الحمد لله الحي القيوم، خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملا وهو العزيز الغفور احمده سبحانه وأشكره وأسأله لي ولكم العون على ما يرضيه عنا، وأشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
 فاتقوا وراقبوه واعلموا أن من رحمة الله بكم أن أكثر من الوصية لكم بالتقوى وحثكم على لزومها حتى مفارقة الدنيا  {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ }
 عباد الله التقوى تعني الاستعداد وأخذ الزاد والحذر من المحرم أن يلحق ويتعلق ويُثقل الحِمل ويُقيد المسير كي يكون الانتقال سهلا ميسرا، فالمرء لا يدري متى ينتقل، ولا كيف يكون الانتقال، وإن انتقل فلا يدري كيف هي الحال حينه وبعده، والتقوى تجعلك فرحا مسرورا في كل الأحوال بفضل الله وبفضل ما أودعه سبحانه من خير وفضل في هذه التقوى. 
عباد الله إن شريعة الإسلام تمتاز بالكمال ومن كمالها عنايتها بالمسلم في حياته وبعد مماته، وعنايتها بأسرة المسلم في حياته وبعد مماته. ولهذا جاء تشريع الوصية وتنظيمها والعناية بها والتأكيد عليها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :ــ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» مسلم. ذلك أن المرء متصرف في شؤونه حتى يقف عقله فينتقل التصرف للأصلح الأقرب إليه، فإن انتقل للدار الآخرة لم يعد له حق ولا مستحق في كل ما ترك إلا بما أوصى، ولذلك قال جلّ وعلا { كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ }
وكُتِب بمعنى فُرِض وألزمتم به، فرض عليكم أن تخصصوا شيئا من أموالكم لوالديكم إذا لم يكونا وارثين كأن كانا كافرين، وللأقربين ممن لا نصيب لهم في الميراث، أما من كان له نصيب في الإرث فلا وصية له لقوله عليه الصلاة والسلام: لا وصية لوارث. 
يقول ابن عباس رضي الله عنه : «كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ» البخاري
وبهذا فلا يحق التوصية لمن قدّر له نصيبا في التركة ولا يقبل حرمان أحد من حق أعطاه الله إياه، ولأن المرء إذا مات انتقل ماله لورثته وانقطع عمله اللهم إلا من ثلاثة أمور بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :" إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" مسلم. ولما جاء في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :- "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" 
فإن أولى الناس بالوصية هي النفس، هو الموصي نفسه، فيوصي من بعده بما شاء لنفسه من الخير، يذّكرهم بما يحب أن يكونوا عليه، وبما يحب ان يستمر له من العمل، ويوصيهم بما يخافه عليهم أو على بعضهم، وأن ينبههم لدَينه وله ما دام لم يغب عقله ويفقد الإدراك ان يخصص لنفسه بعد موته ثلث ماله فأقل لا يحق له الزيادة على الثلث ولا يحق له تعمد الإضرار بالورثة أو أحدهم ولا يحق له أن ينفع أحد الورثة بغير ما قدّره الله له، وإن كان ولده بارا به دون غيره من إخوته فله أن يكافئه في حال صحته وسلامته وقدرته ولا يترك ذلك لما بعد موته. 
واعلموا أن من علامات الصلاح كثرة الدعاء والاستغفار للوالدين والبر بها والصدقة عنهما في حياتهما وبعد مماتهما رزقنا الله البر بوالدينا وبر أولادنا بنا 



الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما وبعد عباد الله 
ففي هذه الفترة من السنة يُكثر الناس تبعا لنظام الحياة السفر والترحال ولو لمدن قريبة وهذا الترحال عرضة لمخاطر الطريق المتنوعة، 
وأيضا قد روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله :ــ مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلاَلُ قَبَلاً فيقال: لليلتين، وَأَنْ تُتَّخَذَ المَسَاجِدُ طُرُقاً، وَأَنْ يَظْهَرَ مَوْتُ الفجأة" حسّنه الألباني.
 وهذا ملاحظ في الآونة الأخيرة فكم من شاب وفتاة لا يشكو علة سابقة أسلم الروح وهو بين أهله. عن عُبيد بن خالد السُّلَمي أن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: "موت الفَجْأة أخْذةُ أَسِفٍ" ابو دواد وأحمد وصححه الألباني.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: " أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ "
وعلى هذا فحري بالمسلم أن يبادر العمر وأن يجانب الأسف، فيجعل من التوبة والاستغفار ديدنا له ومن التقوى صفة له وان يراقب نفسه كلما زلت أعادها وقوّمها، 
وأن يبادر العمر ويجانب الأسف فيأخذ ورقة بيضاء عادية يُدوّن فيها كل الحقوق الواجبة عليه للآخرين والحقوق التي له عند الآخرين ويبين فيها كل ما له وما ليس له وأن يوصي ورثته بكل ما يحبه منهم ويحبه لهم وما يريد أن يبقى له من ماله بعد موته، ورقة عادية يجددها كل ما دعا للتجديد داع ويكون معلوم وجودها لدى أقرب الناس إليه ليطلعوا عليها بعد موته ولا يطلعوا على مضمونها في حياته فقد يطرأ له تغيير أو تحدث فتنة او قلقا لديهم. 
لقد بالغ البعض في شان الوصية حتى ظنها البعض لا تصلح إلا لدى الجهات الرسمية وأن تكون موثقة رسميا وهذا صحيح لمن سيوصي بالملايين والدور العظيمة أو يخشى من ورثته ان لا ينفذوها، أما عامة الناس فيكفيهم ورقة تحمّل من بعدهم المسئولية وتحفظ لهم حقوقهم، حفظكم الله وأحبتكم في كل شؤونكم وجعل قرة العين حليفة لكم في كل أحوالكم ومن تحبون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل