وهلّ رمضان 1440


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم غافر الذنب وقابل التوب، إله سبقت رحمته غضبه وسبق فضله وكرمه عدله،يبسط يديه ليلا ونهارا مستقبلا توبة عباده ومانحا الخير لخلقه وهو الغني الكريم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين نبي الرحمة وإمام الهدى وقدوة من رام الجنان ورضا المولى جل وعلا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه مهتديا بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله فيقول ربنا جل في علاه رحمة بنا وحبا لنا ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ))
ومن الاستعداد للغد المنتظر إدراك أهمية رمضان واستغلال لحظاته العظام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بها فكان عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه { أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين وفيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم } أحمد والنسائي وصححه الألباني 
فأبشروا عباد الله بفضل من الله لا يُعد ولا يُحد ولا يحصى، فهذا ليس موسم فاضل فقط بل موسم فاضل تهيئ فيه الفرص والأسباب والقلوب للتزود وللاكتساب من أعمال الخير التي يَفرح المرء بها بعد فراغه منها، ويفرح برؤيتها يوم يوضع في قبره، ويفرح بها يوم يلقى ربه، ويفرح بسببها يوم يخرج متباهيا من لقاء ربه، فاستبشروا بشهركم وشمروا في طلب وتحصيل خيراته التي هُيئت لكم وأُعنتم عليها. 
واعلموا أن بلوغ رمضان في حد ذاته هو نعمة من الله ومنّة فكم من محب لرمضان وراغب في غنائم رمضان قد حيل بينه وبين رمضان، فاشكر عبد الله نعمة ربك ومنته عليك، والشكر إنما يكون باستغلال الفرص مسابقة في الأعمال الصالحة 
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِىِّ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا قُلْتُمْ؟ فَقُلْنَا: دَعَوْنَا لَهُ وَقُلْنَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَيْنَ صَلاَتُهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ إِنَّ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ } النسائي وأبو داود وأحمد وصححه الألباني.
 اليوم نحن في فسحة وفرصة قد نحرم منها مستقبلا وقد نتمناها فلا ندركها، فرصة قد تصعد بنا في درجات الجنان التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلمبقوله: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» البخاري 
فلنبادر الزمن قبل الندم. واعلم عبد الله أن أفضل العمل في رمضان هو ما شرع الصيام لأجله وهو التقوى، تقوى الله في لحظات رمضان ليله ونهاره، تقوى الله في فرائض الله من صلاة وصيام، ومجاهدة النفس في صيانتهما مما قد ينقص الثواب وفي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ} متفق عليه
والصيام إيمانا أي يقينا بأن الله تعالى فرضه وأوجبه، وأنه حق لله تعالى على العبد أن يؤديه، فلابد من خلوص النية وصدق العزيمة ومدافعة خواطر النفس التي قد ترد بتلويثه وإفساده والتشكيك في حكمه، واحتسابا بمعنى ترقب فضل الله وثوابه في كل لحظات رمضان وفي كل وقت الصيام وتخيل ثوابه جلّ وعلا على الامتناع عن كل ما تشتهيه النفس وتوده لأجل الصيام.يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ} أحمد والنسائي والطبراني وصححه الألباني.


  
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله، وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله 
فأّذكّر بالقرآن ونحن في شهر القرآن وأدعوك لتخيل الملائكة وهي تقول لك اقرأ وارتق يقول عليه الصلاة والسلام: يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا} النسائي وأبو داود وصححه الألباني
وإني سأكون في أقصى درجات الفرح والسرور حينما أدعى للصعود في درجات الجنان وإني لأكون في أشد درجات الندم حينما يقال لي قف هنا حدّك وهذه منزلتك، بينما أصحابي لا زالوا يرتلون ويرتقون ويبتعدون عني أسال الله لي ولكم ولأحبتنا العون على ذكره وشكره وحسن عبادته 
وأّذكّر بقول الله تعالى {  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ
فكن مع هؤلاء الرجال فثم الخير هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ويقول عز وجلّ { وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا 
اصبر نفسك معهم لأجل أن تنعم ولا تشقى فإن كان ثمة رجل خطاء مرّ فجلس معهم فغفر له ببركتهم فما بالك بهم هم بدعواتهم وذكرهم ومناجاتهم فكن منهم ومعهم
جدد إيمانك بالصيام وبالصلاة مع الإمام واحتسب لحظاتك في تلاوة القرآن وفي بقائك في المسجد تذكر الله تمجده وتدعوه وتسبحه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مسلم. حاذري عباد الله مما حذر منه الله ورسوله وهو كل ما يجلب الندم يوم الحساب ويوم حصاد زرع هذه الدنيا
ختاما صلوا على من تمنى رؤيتكم وبكى شوقا للقياكم وعدّكم إخوانه وفضّلكم على بعض أصحابه إن التزمتم سنته وحافظتم على شريعته وهديه اللهم صل على محمد وعلى آل محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل