الطلاق الحل الأبغض أسبابه وحلول لمنعه ومنزلة المحرض عليه
الصِلات الاجتماعية والروابط الأسرية والحياة الزوجية من سنن الله الكونية، ذلك أن الله تعالى خلق الإنسان كي يعبده وحده لا شريك له وأنزله للأرض كي يكون خلقا يخلف بعضه بعضا، وهذا لا يتأتى بدون زواج وصلات اجتماعية ثابتة مطمئنة، ورحمة من الله تبارك وتعالى بعباده أنزل في كتابه العديد من الوصايا والتوجيهات تجعل الصلات الاجتماعية في أبهى صورة، وجُلّ الوصايا حول ركيزة المجتمع ونواته أي الأسرة، وكثيرة هي الوعود المبشرة لمن سعى في تكوين الأسرة وتجويد الصلات الاجتماعية، وكذلك جاءت النصوص العديدة في الكتاب والسنة محذرة من الإساءة لتلك الحياة أعني الحياة الأسرية والعلاقة الزوجية بالأخص، ومتوعدة بالعذاب لمن تسبب في الأذية والفرقة للأسرة أيا كان.
فما حُرمت النميمة والغيبة وما رُتب ذلك العقاب الشديد عليهما إلا لأنهما سبب رئيس في تفكيك العلاقات الاجتماعية وإفساد الحياة الأسرية، قال صلى الله عليه وسلم : مَنْ خَبَّبَ خَادِمًا عَلَى أَهْلِهَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا} صححه الألباني.
يكون الزوجان في صفاء وتفاهم ورضا فيأتي شيطان وشيطانة بصورة الناصح ليفسد النعمة، رجال ونساء كثر يدّعون زورا النصح فيوصون بما لا يمكن أن يعملوه هم، يحدّثون ذاك المسكين وتلك المسكينة عن أهل الزوج بما يسبب الكراهية لهم بينما هم يعملون خلاف ما يقولون، يحدّثون الآخرين بما يشعرون بالغيظ منه في سلوكهم هم وسلوك أزواجهم تخفيفيا لوطء الضيق عن أنفسهم بالحديث الذي يزرع بؤسا وألما في حياة من وثق فيهم واستمع لهم، يكرّهون بعضهم في خلق الشريك وتعامله ونمط عيشه لأنهم لا يجدون لمشاكلهم من تنفيس سوى نقد وتجريح الآخرين، والآخر لسذاجته لا ينظر لحقيقة حياة المتحدث ولا لأسلوبه مع أهله فيصدقه ويستمع له ويتبنى فكرته ليفسد الحياة على نفسه وعلى شريكه، كل اسبوع وهي عند أهلها تعيب على أخيها أن زوجته دوما عند أهلها وذاك الساذج يستمع بغيظ ولا يفكر أن المتحدثة قد تركت أهل زوجها، فيوغرون الصدور ويحمّلون القلوب ما لا تطيق ويشغلون الأنفس الطاهرة بالأفكار الفاسدة.
في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نجد التأكيد على وجوب إدراك الاختلاف الفكري والسلوكي بين الزوجين ووجوب مراعاة ذلك الاختلاف { وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا } ويقول صلى الله عليه وسلم : لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ} مسلم.
الشقيقان وهما في بيت واحد وأسرة واحدة كثيرا ما يختلفان في الطباع والميول والقدرات وبالتالي فالزوجان مؤكد اختلافهما، ولذا كانت التوجيهات بضرورة العمل على غض الطرف وتحمل بعض الأذى والتنازل عن بعض الحقوق وتغيير بعض القناعات والعادات ليتم التوافق بشكل أكبر، وفي حال تأزمت الأمور فالتوجيهات الربانية حاضرة ستزول كل الخلافات إن طبقت تقضي بنصح الشريكين لبعضهما والابتعاد بالجسد قليلا ومنعت الخروج من المنزل أبدا حين الخلاف حتى لا تسترسل النفس في وساوسها وحتى لا يتاح المجال للشياطين من الأنس التدخل بما يزيد النفس تأزما ولعل الله أن يحدث امر حسنا بينهما ففي القرب والمواجهة والمحادثة تقارب وتسامح وتساقط للضغائن.
لصعوبة الرقم السنوي وهوله اكتفي بذكر أرقام شهر واحد فقط أعلنت وزارة العدل في تقريرها الإحصائي العام لعدد صكوك الطلاق في شهر ربيع ثاني الماضي حيث بلغت 4004 عقود وهو ليس أكثر الشهور رقما، وبمراجعة التقرير الموجود على موقع وزارة العدل ستهولك أرقام صكوك الطلاق الصادرة. عمر الله بيوتنا وأحبابنا بالود والتراحم والتآلف وجنبنا الاختلاف وزرّاعه
فلماذا كانت هذه الأرقام المهولة في مجتمعنا؟
ذلك لأن تلك الأسر التي تفككت كانت قد فقدت الزوج الحكيم والزوجة الحكيمة
فلا ذمة ترعى ولا حق يعطى ولا مشاعر تقدم ولا زلة تغفر، وكل يريد من مال الآخر ما يغنيه، كل يداري الآخر ويتصيد أخطاءه ويرصد ما لاحظه فعاشوا كخصوم لا كشركاء،
كثر الطلاق حينما كثر الحسدة والمفسدون فنسي أحدهما نعمة الله عليه بصاحبه فتطلع لمعيشة تقدم عبر برامج التواصل والإعلام زورا وكذبا بينما هي بؤس وتزوير لواقع مرير،
كثر الطلاق حينما تحكم الهوى فتطلع للرفاهية وللحياة العابثة، وأراد من صاحبه ما لا يقدمه هو، وتصور أن العزة تكون في عناد ومصادمة للآخر،
كثر الطلاق حينما فتح الزوجان بيتهما وعشهما للآخرين فكشفا أسرارهما ونشرا عيبهما وفضح كل منهما الآخر واستمعا لكل حسود ونمّام،
كثر الطلاق حينما قصّر الأهل في انتقاء واختيار الشريك أو تدخلوا في حياتهما بغير برهان وبنية الانتصار لصاحبهم دون النظر في مصلحته،
كثر الطلاق لان تقوى الله ضعفت في النفوس فصارت الصلاة وقت الفراغ والسلام والدعاء في البيت معطل والحقوق مهملة والفكر فارغ ليتلقى تلك النمائم في المجالس وتلك التفاهات في برامج التواصل.
لأن كلمة الطلاق كلمة مرعبة مفزعة مؤذية معلنة بخراب البيت والمجتمع وسبب لضعف وتشوش العلاقات الاجتماعية والأسرية وبالتالي ضعف وتشوش العبادة لله وفقدان لحكمة وجود الإنسان في الأرض فقد جعلها الله تعالى آخر الحلول وأوجب قبل الوصول إليها عدة إجراءات لابد أن يعمل بها، وما تلك الأرقام إلا دليل صريح على بعدٍ عن الله وتحدٍ لحدوده وتجاوزٍ لوصاياه، هذا وإن أرفع الشياطين منزلة من يتمكن من إيقاع الطلاق عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ } مسلم.
فلكل من أفسد امرأة على زوجها أو زوجا على زوجته بأي شكل وبأي عبارة فتسبب في الطلاق بينهما هذه منزلتك عند إبليس، ومن قرب من إبليس فقد بعد عن الله تعالى عياذا بالله تعالى،
عباد الله كونوا من خير عباد الله الذين هم أنفع الناس للناس ويصلحون ما أفسده الوسواس الخناس فأولئك من أقرب الناس مجلسا لله إن كانوا مؤمنين
تعليقات
إرسال تعليق