احذر النميمة وصاحبها حذرك من النجاسة وأهلها
يقول الله جلّ في علاه { وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا } وقوله تعالى { هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ }
فلنجعل عباد الله هذا الكتاب وكتّابه ولحظة عرضه ومناقشته في وعينا وبين أعيننا ولنحذر من التسبب في كتابة ما نكره ولنبادر للتوبة نمحو بها ما نكره مما كتب وأثبت، فالباب مفتوح للجميع دوما والرب غفور يغفر لمن أقبل.
عباد الله لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم في هيئته وفي خُلقه، خلق الله عباده حنفاء على الملة الصحيحة وعلى الفطرة السليمة، فمن حافظ على هبة الله له في فطرته سَلِم وغنم، ومن غلبته شياطينه اجتالته وصرفته عن الحق والخير الذي نشأ عليه ومُيّز به وحُمِد لأجله فيكون ضيّع نعمة الله وخسر ما أعدّ الله له من النعيم، وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ} مسلم.
خلق الله تعالى الإنسان وطَبَعهُ على حب الاجتماع والائتلاف وحب زرع الابتسامة على الآخرين، فالكل في الأصل حنفاء لا يعرفون ربا سوى الله، حنفاء على فطرتهم السليمة يحبون الخير لأنفسهم ولغيرهم ويكرهون الضر عليهم وعلى غيرهم لأنهم في أحسن تقويم. وجاءت شريعة الإسلام لتحافظ على تلك الفطرة وعلى تلك الحنيفية السمحة مراعية الأخلاق العامة والآداب الرفيعة فحثت على كل ما ينمي تلك الفطرة وينشرها ويُربّي عليها وحذّرت من كل ما يغيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومن ذلك التحذير، الحديث الذي نعرفه كلنا وهو: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ}مسلم.
وفي رواية لا يستنزه
وأخرى لا يستبرئ.
ويا ترى ما الجامع بين هذين السببين الحارمين من نعيم القبر الجالبين لعذابه؟
لعله واضح أن الربط بينهما هو النجاسة التي يحملان والإفساد الذي يعملان عليه.
أما النمام فهو بقصده السيء نجّس قلبه وأفسد العلاقات الاجتماعية والأسرية، ينشر الضغينة ويسبب الفرقة ويوّلد الأحقاد بين المتحابين والمتوادين ليُزيل كلَ أثرٍ طيب بينهما وليغرس الشر بدلا منه، فهو نجس مفسد للفطرة التي تقوم على نقاء السريرة وحب الخير للغير.
وأما الآخر فعلى رواية لا يتنزه من بوله فهو قد نجّس جسمه وملابسه والمكان الذي يعيش فيه فأفسد عبادته كما أفسد طيب رائحة مفترضة ومجلسا يفترض به السلامة من كل أذى فهو مفسد لفطرته ولعبادته ولفطرة من يعتاد الجلوس معه كزوجته وأولاده وغيرهم الذين سيعتادون هذا القذر ويمارسونه.
وعلى رواية لا يستتر من بوله كذاك الذي لا يبالي بعورته قائلا إنها عورة رجل فهو يفسد الأخلاق العامة ويعوّد الناشئة على التبذل والتعري وعدم المبالاة بالعورة فهو لنجاسة طبعه مفسد للفطرة التي تقضى بستر العورة وعدم التكشف، لينشئ مجتمعا فاسدا لا يرقب ربا ولا يراعي حرمة، فكلاهما النمام والذي لا يستبرئ من بوله نجاسات تحمل نجاسة.
يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ } مسلم. قال العلماء القتات هو النمام الذي ينقل كلام الناس بعضُهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم، فكل من أفسد فطرة أو أفسد مودة أو نشر ضغينة بنقله للكلام فهو نمام، وإن حرّف وعدّل فنقل بناء على سوء فهمه وسوء حفظه ففعله هذا جمع عليه مصيبتان نميمة وبهتان فليبشر بسوء العاقبة عند موته وبعذاب القبر بعد موته وبحسناته توزع على من اغتابهم ونمّ عليهم وبسيئاتهم تصب عليه مكبوتا بها
فهذا اللسان خطير في أثره الذي يرسمه في نفوس الناس، وهو يستمد قوته ورسمه للأثر خيرا أو شرا من مخزون قلب صاحبه من خير أو شر أو غبن وقهر.
ولا يخفى الفرق بين من يبث شكواه ومظلمته وبين نمام ينقل كلاما لم يتضرر منه ليفسد على الآخرين نعمة الله عليهم فقد قال تعالى { لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا }
فالاستماع للمظلوم خُلق عظيم يحبه الله بل هو جلّ في علاه من دعا إليه ويفتح أبوابه لأجله ومن أراد حب الله له وإقبال الله عليه فليستمع للمظلوم وليخفّف بالاستماع عنه ما يزعجه وليوجهه بلطف حتى لا تتحول المظلمة لغيبة أو نميمة.
يقول الله تبارك تعالى { إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ } لكل مغتاب ونمام وسمّاع لهما أقول لقد بعتما منزلتكما في الجنة وحظكما من النعيم في قبركما وأهديتما حسناتكما وتحملتما سيئات لا طاقة لكما بها لأجل هذه الجملة التي تم نقلها حقدا حتى وإن كانت حقا.
عبد الله إن كنت ذا نعمة ما حتى نعمة الأسرة الطيبة والرفقة الطيبة والعمل الطيب وزملاء العمل الطيبون والرزق الحسن والقبول لدى الآخرين فلابد لك من حسود يبدأ حسده من نميمة يسعى بها إلى إفساد نعمة الله عليك، فتحصّن بالله صباحا ومساء وكن واضحا مع من تحب وغضَ الطرف عن بعض الخطأ وصارح من بلغك عنه السوء بما بلغك لتستوضح ولتقطع الطريق على المفسد ولتسلم من عقوبة الله في نفسك وفي مآلك، لا تُسلم عقلك ولا مشاعرك لغيرك فيعبث بك وبمستقبلك،
وتذكر أن النمام والمغتاب يحملان نجاسة لا تقل عن نجاسة البول فطهر نفسك ومجلسك منهما.
لنتذكر عباد الله مقتا بالغا من الله لكل نمام ونميمة وملائكة كتبة حفظة لا يتركون صغيرا ولا كبيرا إلا نسخوه وأثبتوه وكتابا سيعرض علينا يوما ما فيه كل ما بدر منا، فلنبادر لمحو ما نعلمه من خطأ وما لا نعلمه بالاستغفار والتوبة وترك ما نعلم جرمه وخطأه
تعليقات
إرسال تعليق