السناب شات والكفر بنعمة الأسرة
الحمد لله الغني الكريم الملك العلي العظيم الحكم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا مانع لفضله، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر بحكمته وعدله وبعلمه ما فيه الخير لعبده أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله بعثه رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وجعله سيدا للأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه وقدّموا لأنفسكم ما يسركم في دنياكم وعند موتكم ويوم تلقون ربكم، ولا عملٌ يُقدم كالتقوى في القول والعمل، يقول سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} فلنستجب لوصية الله علنا نسعد ونفرح.
عباد الله يحدثنا ربنا جلّ جلاله عن نعمه علينا فيوصينا أن نذكرها وأن نحفظها ونصونها وأن نرعاها وأن نعمل على كسب المزيد منها، ومن المسلّم به عند كل عاقل أن نعم الله لا تُعد ولا تُحصى وكلنا نردد قول الله تعالى { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }
وإن من النعم التي أحاطها الله تعالى برعايته ووصى جلّ وعلا بالعناية بها هي نعمة الأسرة فمن عناية الله تعالى بالأسرة رعايته لأسباب اكتمال أركانها بدءا بالخلق فقد خلق الزوجة من الزوج كي يسكنا لبعضهما ولهما أي الزوجين هبة من الله الود والرحمة بينهما، ولهما على الله حق الإعانة إن كان قصدهما بالزواج العفاف والصيانة لعرضيهما، وجعل شكره مقرونا بشكر الوالدين والبر بهما، وربط الفرح التام للعبد بفرح والديه به ومن خلاله فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل إعادة البسمة للوالدين جهادا يعدل الجهاد معه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُ أُرِيدُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَقَدْ أَتَيْتُ وَإِنَّ وَالِدَيَّ لَيَبْكِيَانِ قَالَ: فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا}
هذه أمور أربعة الود والرحمة والعفاف والبر أمور رئيسة لا غنى للأسرة عنها الله جلّ في علاه هو من تكفل بالإعانة على والرضا لمن بذل أسبابها، وفي هذا رسالة تطمين لكل أسرة أيا كان حالها الاجتماعي والاقتصادي أن الله معكم وأنكم في الحال الأفضل لكم ما دام هذا شانكم فلا تفسدوا النعمة عليكم باللهث وراء ما لم ييسر لكم.
ولما توجه النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة لمحضن الأسرة وهي الزوجة حذرها من النار مبينا أن سبب خوفه على النساء هو ذلك الطبع السيء الذي يلازم عامتهن، الطبع الذي يفقد البيت نعمة الله عليه فيحوله من محضن للجميع إلى كابوس يدفع بأفراده للهرب، وما كان مذموما من المرأة وهي ضعيفة فإنه من الرجل صاحب القوامة أشد ذما وأكثر خطرا، ذلك الطبع هو كثرة التشكي وتناسي الجهد في توفير الأفضل. ففي الحديث أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد صلاة العيد خطب الرجال ووعظهم ثُمَّ مَضَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَوَعَظَهُنَّ وَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَحَثَّهُنَّ عَلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. فكثرة التشكي وتناسي الفضل سبب للكدر والضيق والنفور وهذا بمثابة محاربة لنعمة الله ولهبته للأسرة فالود والتراحم والسكينة قد غادرت البيت بسبب سلوك يوحي بعدم الرضا عن جهود الآخر التي لم يقصّر فيها، الآخر أعني به الزوج وأعني به الزوجة وأعني به الأب وأعني به الأم وكذلك أعني به الابن والبنت فكثرة التشكي من التقصير يدعو الباذل جهده لأحد أمرين:
إما ترك البيت واللجوء لمصدر آخر يجد فيه الطمأنينة ولو وهما وما أكثر من يقدم الوهم مضحيا بالموهوم لينال هو حظا من المتعة المحرمة،
وإما يدفع باذل الجهد لإهمال واجباته وترك رسالته في تلك الأسرة فتتعطل الحكمة الإلهية من تلك الهبات الأسرية.
الحمد لله قضى بالحق وبه أمر وكتب رحمته حقا عليه للمتقين من خلقه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فالتشكي من التقصير مع بذل الشريك جهده هو سبب لفساد الأسرة، الشريك هو الزوج وهو الزوجة، والشريك هو الأب وهو الأم وهو الابن وهو الابنة، الكل شريك في بناء وسلامة واستدامة الأسرة، وكل مسئول عن مشاركته وكيف كان أثرها في أسرته.
ولئن كان التشكي المذموم في الحديث تدفع له ضغوط الحياة وليس مجرد دلع وترف، فالزوجة التي تكدح من طلوع الفجر حتى تُلقي بجسدها على الفراش ليلا، تبذل جهودا شاقّة في أعمال شاهدناها وقرأنا عنها وحُدّثنا بها ومع ذلك كان تشكيها مذموما مفسدا للأسرة، وطبعا لم يُذكر تشكي الزوج لأنه في الأصل لا يكون وفي العرف لا يليق ولذا سُكت عنه ترفعا وإلا فهو أقبح من تشكي الزوجة،
ومعلوم أن المقصود هو التشكي بدعوى تقصير وإهمال غير حقيقي بل هو إنكار لجهود بذلت وفق المستطاع،
أقول إذا كان التشكي بتلك الحال مذموما فكيف يا ترى يكون ذمّ التشكي والتذمر النابع من الاتكاء في متابعة السناب وتخيل ما ليس حقيقيا والمطالبة بما لا يمكن أن يكون، ذلك البرنامج الذي تنافس فيه رجال ونساء بلا حياء ولا خوف من الله على إفساد حياة غيرهم، فتلك بيوت فاخرة مزخرفة وتلك ولائم عامرة بالسرف وهذه رحلات ينتقى فيها أجمل اللحظات والمواقع ليتوهم المشاهد أن هذه هي الحال دائما.
فتنقلب المُشاهدة حسرة وتنقلب النفس المحبة المشاركة نفسا كسولة شرهة متذمرة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا}
كل من يسبب فسادا في أسرة حتى العاملة المنزلية تُفسد على أهلها يدخل في الوعيد، وكل من يُنمي جيوبه بالدعايات ويرضي غرور نفسه بالزهو بنعمة الله فإنما هو يفسد أسرة كانت محط آمال أفرادها، ويفسد حكمة إلهية ويعارض عناية إلهية فهو معرض نفسه لعقوبة إلهية قد تجعله عبرة لغيره.
إن متابعة أولئك المترفين وأولئك المسوقين للترف هو سبب للكفر بنعمة الأسرة حيث يُولّد التطلع لما لم يُيسر ويُولّد التشكي والتذمر المُنفر لأحد الشركاء بعد أن كان الحال عندهم هو الحال الأفضل بالنسبة لهم، ولو أن أهل السناب ونحوه جعلوا من هذا البرنامج سببا لقربهم من ربهم بتدعيم جوانب الحب والوئام والألفة في الأسرة ودلالتهم على كيفية عمارة أسرهم لكانوا لله متقين ولوعده بالرحمة والغنى مستحقين ولكن غرهم بالله الغرور وتنافسوا الدنيا فأفسدوا الأسر واستحقوا العقوبة الإلهية.
وإن من واجب الرعاية الأسرية الحذر من الوقوع في كفر نعمة الأسرة وذلك من خلال:
التوعية بزيف ما يعرض
وبالتعريض الموحي بفساد النوايا وسوء المقصد لأولئك المسوقين للترف والسرف والسياحة
والتوعية بنعمة الله على الأسرة في دينها وفي وجود أفرادها وفي التئامها وفي بذل كل فرد واجبه وفي وعد الله بالرحمة والإعانة والسعادة للأسرة المحققة للأركان الأربعة الود والرحمة والعفاف والبر
جعلنا الله من العاملين بالأسباب التي ارتضاها للفوز بوعده
تعليقات
إرسال تعليق