حادثة الطرفية الإرهابي تنبيه لتغلغل فكر الخوارج

الحمد لله الملك العلي العظيم رحمته سبقت غضبه ووسعت كل خلقه ومغفرته تبادر طالبيها حتى تمحو ذنوبهم فكأنهم لم يخطئوا، ملكه عمّ كل شيء ولأمره وحكمه خضع كل شيء وبقضائه وبتدبيره سار كل شيء أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وهاديا للخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد عباد الله 
فاتقوا الله وتدبروا قوله جلّ في علاه { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ () عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فالمولى جلّ جلاله وتعالى في ملكه حينما يقسم على أمر فإن الأمر واقع لا محالة ، كل عمل نعمله وكل قول نتلفظ به سنسأل عنه فما هو جوابنا له؟ وكل عمل نعمله ونحن نعلم يقينا مخالفته لشرع ربنا فإن الإجابة عليه ستكون عسيرة والحسرة بسببه ستكون كبيرة ولا منجاة من الحسرات والندامة إلا بالتقوى، وهي أن تجعل بينك وبين ما يكرهه ربك وقاية أي فواصل زمانية أو مكانية، فتجتنب كل السبل وكل الأشخاص الذين تكون نهاية العلاقة بهم ما يكرهه الرب جلّ وعلا. 
عباد الله إن من أبرز القيم الإسلامية التي نرددها هي قيمة الرحمة وحسن التعامل مع المخالف فضلا عن من لم نختلف معه أصلا، وما كثرة حديث الله تعالى عن سعة رحمته إلا دعوة للمؤمنين إن كنتم تؤمنون بي حقا فتخلقوا بما وصفت به نفسي، وما حديث الله تعالى عن نبيه الحبيب عليه الصلاة السلام حينما يصف حسن خلقه وبالغ لطفه بالناس وتحمله لأذاهم إلا دعوة لمن يدعي اتباعه أن يتبعه كذلك في سلوكه. 
وإن مما نؤمن به نحن معاشر المسلمين أن كل من كان طبعه الغضب وسوء الخلق وإرادة الشر بالآخرين أنه ضال وعلى ضلالة فإن كان يدعي أن هذا الطبع السيء منبثقٌ عن عقديته وعن حرصه على دينه فقد أضاف الكذب لتلك الضلالة لتجتمع فيه بؤر الفساد الخلقي والعقدي، فعقيدتنا أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس. 
وكذلك مما علمناه ونزداد إيمانا به هو حرمة الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، ولن تجد من يتجرأ على السب والشتم والاتهام بالسوء إلا من كان في قلبه خلل ولن تجد من يتجرأ على سرقة المال العام أو الخاص بالقوة أو بالحيلة إلا وهو يحمل في قلبه الخلل، ولن تجد من يتجرأ على سفك الدماء المعصومة إلا والخلل قد عمّ وطغى على قلبه وفكره، يقول الله تعالى { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } ويقول سبحانه { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً } ويقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا } البخاري
ولن تجد كتابا فقهيا أو عقديا يتحدث عن إباحة القتل لغير ولي الأمر إلا كتب الخوارج الذين ضربوا بقيم الإسلام وفكره عرض الحائط، فتجردوا من كل القيم التي نادى الإسلام بها وباعدوا بأنفسهم عن الصافات التي وصف الله بها نفسه المقدسة ووصف بها نبيه الحبيب، فاتخذوا الغلظة والجفاء وسوء القول مع الآخرين منهجا لهم وسمة لهم. 
فالخوارج هم من خرج عن قيم الإسلام في ظاهره وهم من خرج عن النظام الحاكم محاربا له بالقول أو بالتحريض أو بالعمل. 
والخوارج قسمان: 
قسم ابتغى الدنيا مطلبا فهو يطمح لمنصب ووجاهة أو لمال بأي طريق، وأسهل الطرق عنده ادعاء الغيرة على الدين وعلى المسلمين، 
والآخر جاهل عطّل نعمة عقله ويريد جهلا الآخرة فكان كالبهيمة يمتطيه الأول لهدفه لتكون جهنم مآلا لهما إن لم يتوبا. 
وللخوارج في كل زمان مدارس فكرية خاصة بهم لا تتخذ لها مقرا معينا ولا كتابا فقهيا معتمدا وإنما مجالس خاصة تعتمد الجدال وتحريف النصوص وتأويلها وفق أهوائهم وهمتهم اتهام للعلماء والولاة تشويها لرسالتهم ولأمانتهم، والخوارج الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وخرجوا على علي رضي الله عنه لا يزالون يخرجون في كل عصر، وذلك لأن التأويل الفاسد للنصوص ولما يصدر من فتاوى وقرارات وأنظمة والانعزال عن العلماء والطعن فيهم وفي الحكام هو منهجهم قديما وحديثا، 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فهؤلاء – أي الخوارج - أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون. أ هـ اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وثبتنا على منهج نبيك وحبيبك محمد حتى نلقاك يا ربنا  

أحمده ربي واشكره واثني عليه الخير بما هو أهله، وأسأله من فضله ورحمته لي ولكم هداية وتقى وعفافا وغنى والصلاة والسلام على النبي الصادق الأمين البر بأمته الرؤوف بهم الرحيم بهم وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله، 
ما حالنا لو مررنا بنقطة تفتيش أمني وكنا في مظهر سليم لا يوحي بسوء فابتسم رجل الأمن ودعانا لإكمال المسير ألن نبادله الابتسامة وندعو له بالعون والتوفيق؟ 
ألن يزيد ذلك التصرف الرائع منا في مظهرنا الواضح السليم ومن رجل الأمن في حب الناس صغارا وكبارا لرجال الأمن والدعاء لهم؟ 
ألن يزيد ذلك في تلاحم الوطن بكافة شرائحه؟ 
ثم ماذا لو مررنا بنقطة تفتيش فشدّد رجال الأمن في التفتيش والتدقيق، ألن يؤدي ذلك لموقف سلبي تجاه رجال الأمن والنفرة منهم؟ 
لقد غاض أعداؤنا فشل مخططاتهم في تدمير وحدة هذا البلد فاتخذوا لهم مطايا لتفريق وجهات النظر ولإثارة القلق ولضرب الناس ببعضهم، وإن أول خطوات الشيطان لإضلال الناس هي التحريش بينهم وكذلك شياطين الإنس أول خطواتهم لتدمير بلاد المسلمين التحريش بينهم. 
وإنما حدث في القصيم مؤخرا من حادث إرهابي تجاه رجال الأمن في إحدى نقاط التفتيش إلا محاولة يائسة للتحريش بين المواطنين ورجال أمنهم لإزالة الثقة ولزرع البلبلة ولإيجاد اسباب النفرة.
 وإنه أي الحادث لرسالة لنا جميعا أن ذلك الفكر المنحرف لا زال موجودا ولكنه مختبئا لظروف أجبرته وهذا يدعونا للتكاتف لمحاربته، ولا محاربة له كاتخاذ قيم الإسلام منهجا للتعامل مع الجميع مسلما أو غير مسلم كما كان رسولنا وإمامنا محمد بن عبد الله عليه صلوات الله فتكون الرحمة وتكون الابتسامة وتكون النخوة خلقا ظاهرا لنا في كل أحوالنا ومع كل من جاورنا وتعامل معنا، 
وأن نحاربه أي الفكر المنحرف برد كل محرّض في مجالسنا أو الإعراض عن المجلس الذي يشوبه التحريض إن عجزنا عن رد المحرض، 
فإن الجهل إذا اجتمع ومفكر السوء كانت النهاية، يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ } البخاري. 
الساعة تعني النهاية قد تكون يوم القيامة وقد تكون الموت وقد تكون نهاية نعمة والنهاية لا تكون إلا بعد أن يعم الجهل ويحكم ويطغى أهله وبالتالي يتوارى العلم وأهله وتكون النتيجة الاحتكام للهوى الذي لا يقبل رأيا آخر ولا يسمح بمخالفة قناعاته وتكون التصفية الجسدية والنفسية هي الحل الأول والأخير لدى الجاهل المتحكم ولدى مفكر السوء المُتبع. 
منفذو جريمة القصيم سفهاء استمعوا لرويبضة سفيه مثلهم نبذوا صفات الرحمن وأخلاق الحبيب عليه الصلاة والسلام نبذوا أخلاق الإسلام فكانت الجريمة التي يراد بها جرّ البلاد لفتنة عمياء تفسد العيش والطبع وتنشر الفوضى وتثير البغضاء. 
وحيث انساق للفتنة شباب كان أهلهم يحسبون أنهم في منأى عنها وحيث لا نملك لشبابنا سوى الدعاء والله قد امتدح المؤمنين الذي يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما فلنزم هذا الدعاء ولنلزم الوصية لهم بحفظ أنفسهم من خلال تجنب أهل الأهواء ومن خلال لزوم العلماء الذين لا يتوارون عن الناس ولا يتخذون من الغيبة والنميمة منهجا لهم في مجالسهم والذين تحيا بمجالستهم القلوب حياة تعمر بها الدنيا وبها تكسب الآخرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل