الكلمة الطيبة خطبة الجمعة 15/ 10 / 1439 هـ
الحمد لله البر الرحيم العليم الحكيم، بشائره ولطفه ووعود الخير منه في كتابه العزيز غلبت وعيده وغضبه فهو أرحم الراحمين وأصدق القائلين أشهد أن لا إله إلا هو اللطيف الخبير وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله ونبيه وصفيه وسيد خلقه وإمام رسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله واعلموا أن الله قد سخر الكون ما فيه لأجلكم وأباح الكثير ما خلق لكم، وحدّ حدودا في الصلة به والصلة بالناس لا يقبل سبحانه بتخطيها، يغضب ويعاقب من تجرأ على تجاوزها، ويحب سبحانه ويقرّب كل من التزم المسار وتجنب الحدود وحافظ على السير الجادّ يقول الله { تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ }
وإن من أجلّ وأعظم وأدّق ما حُدّ من حدٍ هو الكلم، فللكلمة حدودها لا يقبل الله ولا يقبل الناس بأن يتخطى المتكلم الحدود التي حدّت له، كما لا يقبل أن يتقاصر العبد في قول ما وجب عليه وما استحقه منه ذو الصلة به،
وأدق حدّ وألطفه هو اللين في الكلمة،
فالكلمة الهادئة المتزنة حينما تُنطق أو تُكتب فإنها لا تضيع سدى وستصيب قلبا خلا بسبب فكر مضطرب غيّر حياة صاحبه ومزاجه، فتأتي الكلمة الطيبة فتملأه وتعدله وتعيده لمساره.
عن عبد الله بن عمرٍ ورضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ في الجنَّةِ غرفاً يُرى ظاهِرُها مِنْ باطِنها، وباطِنُها مِنْ ظاهِرِها. فقال أبو مالكٍ الأشعري: لِمَنْ هيَ يا رسولَ الله؟ قال: لِمَنْ أطابَ الكلامْ، وأطْعَم الطَعامْ، وبْاتَ قائماً والناسُ نيِامْ.} الطبراني والحاكم، وصححه الألباني.
تأتي أهمية الكلمة الطيبة لأن الناس بحاجة لبعضهم ولأن الصوارف كثيرة من حولهم، ولا مؤثر على قلوبهم كالكلمة فهي التي تحدث الفرق في سلوكهم، فإن كانت طيبة طاب سلوكهم أو ساء السلوك وتأذى الخلق.
وكلمة طيبة تؤثر في سلوك من تخاطب تحوّل مسارهم إلى الطريق الصحيح فيكون كل عمل صالح يقومون به فيما بعد لك مثله فترتفع في منازل الجنان بسببهم لأنك كنت سببا في تعديل مسارهم وهذه جزءٌ من ثمار كلمتك الطيبة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان،
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الإحسانُ إنسانا.
مدح الله تعالى عباده فقال { وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا }
ومدح نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ }
وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبغ هذه الرسالة { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا }
يقول الله تعالى { وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ }
هذا الميثاق العظيم لم يلتزم به إلا من بعُد نظره ورأى أثر كلمته ببصيرته وبخبرته، فلم يستعجل قطف ثمرته ولمّا يحن بعد قطفها، وحينما تعظم الحاجة للكلمة الطيبة يعظم أجرها ويعظم أثرها وترتفع منازل أهلها لكثرة المنتفعين بها، بضد الكلمة الفظة الغليظة المنطق، وبضد الكلمة الهادئة خبيثة المقصد، فإنها وإن لقيت قبولا إلا أن خطر التخلي عنها قائم في كل لحظة، بخلاف الكلمة الطيبة فإنها قد تمر ويُرى أنها لم تؤثر ولكن الحقيقة أنها لطيبها قد اخترقت القلب فأصابته ولابد للإصابة أن تؤثر ولو بعد حين.
الحمد لله الولي الحميد واسع الفضل والعطاء لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى كتب الإحسان في كل شيء أحمده سبحانه واشكره واثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله وعلى آله وصحبه ومن تبعه والتزم سنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه وأطيعوه واتقوه في ما تقولون وفيما تعملون وفيما تشاهدون،
واعلموا أن اللسان مُصدر الكلمة متى ما تكلم تحمّلت الحواس والجوارح أثر كلمته إن خيرا وإن شرا، فلا تحمّلوا جوارحكم ما يحرجها وما يثقلها
وراعوا ظروف من حولكم فلا تدفعوهم لما لا يليق بهم فالنفس البشرية نفس عجيبة،
هي ضعيفة إلا أنها عنيدة، تخضعها كلمة طيبة وتزيد من جبروتها كلمة فظة نابية،
النفس البشرية مهما طغت وتعاظمت فهي ناقصة مقيدة بالحاجة لغيرها يساعدها،
ومهما ملكت وبلغت وعظمت تلك النفس فإنها لن تجد من يخدمها ويساعدها ويقضي حوائجها إلا إذا طاب حديثها ورق طبعها.
الكلمة تكشف لك عن هوية قائلها وشخصية مستمعها، وفي أحلك الظروف أُمِرنا بالكلمة الطيبة ونهينا عن استعجال النتيجة وعن الاستجابة للمستفز ومجاراته
{ فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ }
يقول الله تعالى { كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ }
انظر لتلك النتيجة يوم القيامة فاعمل على أن تفوز حينها،
ستسمع وبكثرة ما يؤذيك فاصبر ولا تقل إلا ما يقيك غضب ربك، ولا يقيك من غضب ربك شيء ككلمة حسنة تقي بها الناس فتنة وكفرا،
صحّ من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قوله: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت.
وما دام هذا هو مطلب النبي عليه الصلاة والسلام فحري أن يكون هو مطلبنا ودعاؤنا لنا ولأهلنا وإن من أطيب الكلام ذكر الله تعالى والإكثار من قول لا إله إلا الله، والصلاة والسلام على رسول الله كذلك هي من أطيب الكلام فاكثروا منها تطيب لكم الحياة
تعليقات
إرسال تعليق