خطبة حول اثر البرامج التفازية المشبوهة على أمن الوطن ومستقبل أجياله ألقيت بتاريخ 8/ 9 / 1425 هـ

 بدايةً هذه الخطبة ألقيت في سنةٍ كانت الخوارج قد مُدّوا بسبب من الخارج فتمكنوا من إدخال السلاح وتجنيد بعض الشباب الساذج وعاثوا في الأرض فسادا تفجيرا وقتلا وترويعا وكان مسلسل طاش ما طاش يتخذ الضحك والترفيه مجالا للسخرية من كل المجتمع فلمستُ فيه ضررا أشد من ضرر دعاة الخوارج فكانت هذه الخطبة، وافقها من وافقها وغضب بسببها من غضب واليوم رأينا بعض نتائج فكر ذاك المسلسل فإنما هو عرض لإسقاطات دنيئة ضد الوطن وتحريضا عليه ولا زال أهله يكررون تلك الإسقاطات إلى يومنا الحاضر نسأل الله أن يكفينا شرهم وهو المستعان سبحانه.

كثيرا ما يأمر المولى جل في علاه عباده الصالحين بالتأمل في سير السالفين وحوادث ما مضى من السنين فبهذا يستكشف العاقل مستقبله فيعرف مآل بعض الأحداث والقضايا ونتائجها، إذ الأحداث غالبا ما تتكرر وإن تباعدت السنون وإن تغيرت في بعض الصور. 
وسنستذكر اليوم حدثا ذاقت منه الأمة المرّ بل الأمرّين ولن نتحدث عن حدثٍ بعيدٍ قد بعُدت أحداثه ونُسيت آثاره ولكن نتحدث عن حدث قريب لازلنا إلى اليوم نلمس ضرره ونكتوي بناره ونرقب أحداثه، وإنه لمن الجهل والبلاء أن يُنسى حدثاً كان له من الأثر ما أرعب الجميع وقام لأجل دفعه المسلمون برفع الأيادي جماعة في الصلوات إلى مولاهم الرحيم أن يكشف عنهم بلواه، ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كانت أجهزة الأمن مستنفرة والناس معها كذلك سعيا لمنع مصيبة تخريبية في المدن والتجمعات السكنية والمنشآت الحيوية، إنه ولا شك قد تجلى لكم المراد إنه حدث الإرهاب وما جرّه على الأمة من بلاء في أمنها وعيشها وخدماتها، وهو حدث وإن كان بحمد الله قد انحسر إلا أنه يجب أن يظل في الذهن حاضراً لا ينسى، تُدْرس بداياته وبواعثه لتقطع كلما أرادت أن تخرج مرة أخرى، ولقد تجلى الآن كثير من خفاياه وعرفت الأسباب والدوافع لظهوره وذلك من خلال اعترافات من اعترف وشهادات من عرف، فأصبحت الصورة واضحة جلية، عرف لماذا تجرأ أولئك السذج على ولاة أمورهم السياسيين والشرعيين فخرجوا يسفّهون علمائهم وقادتهم ويسفّهون آرائهم ويصفونهم بصفات هي أقرب لصفات أهل الكفر من صفات أهل الإيمان، وعرف لماذا تجرؤوا على سفك الدماء وتخريب المنشئات وترويع الآمنين، لقد كان ذلك من خلال برامج خاصة قدمت لهم على أيدي دعاة الفتنة فكانت البرامج المغرضة توجه إلى السذج قصّار العقول ممن آوى إليهم من الشباب فآتت جهودهم في ظل غفلة الرقيب وحسن ظن الجميع آتت ثمارها القبيحة والحارقة ليكتوي بها الجميع، وإن كان الصالحون قد تألموا منها فلقد ضحك بسببها المغرضون والكافرون ووجدوا فيها فرصة لتنفيس غيظ قلوبهم وتمرير مخططاتهم الدنيئة، وإنه لجدير بنا التوقف حول تلك البرامج التي أثمرت هذه الثمار السيئة الحارقة وأثمرت ذلك النفور وتلك الكراهية من مسمى المسلمين كي نكون على بصيرة من كل دعوة جديدة تهدف لذات الهدف وإن تلبست بغير ذات اللباس، لقد كانت البرامج التي قدمت لهم تقوم على عنصرين رئيسيين :ـ 
الأول: هو صد المجتمع عن علمائه الربانيين بالتشكيك في ولائهم لدينهم وإظهار تبعيتهم لشهواتهم وتصويرهم على أنهم مغفلون ساذجون يصدقون كل ما يقال لهم لا يتعدى فكرهم ورأيهم أكثر مما يقع قبالة وجوههم. 
والأمر الثاني: هو إيجاد الظغينة في النفوس تجاه الوطن وتجاه مسئوليه فصوروا الوطن للسذج على أنه أصبح غير مناسب لهم ولا يصلح لمعاشهم فقاموا بقتل الأمل والطموح في نفوس من تبعهم حتى أصبحوا يرون كل شيء في هذا الوطن محبط وقاتل للمبادئ والحقوق، فصوروا لهم الوطن على أنه وطن لغير الحق وأهل الحق، صوروا لهم الوطن انه وطن ضد مواطنيه الصالحين في كل شانهم دينهم ودنياهم حتى رسخ في أذهان من يخاطبون أن علماء الوطن علماء سوء وقادته قادة نصب وسرقة والوطن وطن لا يريدهم، ولك أن تتخيل وقع ذلك في نفوس أولئك السذج لقد رأوا العداوة في الجميع فاعتبروا الجميع لا يستحق أن يُبقى على حياته، فكانت النتيجة ما حدث وما يزال يخشى حدوثه، وما أن انحسرت تلك الفتنة وتبددت جهود دعاتها وباءت بالفشل إلا وظهرت دعوة فتنة جديدة تسير على نفس الخطى ولكن تختلف في اللباس تسعى لذات الغاية ولكن تختلف المطية، الخطى هي صد الناس عن علمائها وقادتها وإيجاد الفرقة والظغينة بين أفراد المجتمع بعضهم البعض وبين الأفراد ووطنهم، ولئن كان دعاة الفتنة المنحسرة على بالغ أثرهم وخطرهم يعرضون أفكارهم وبرامجهم لفئة محدودة في بيئة محدودة، فدعاة الفتنة الجديدة يعرضون أفكارهم وبرامجهم على فئات المجتمع وشرائحه المختلفة بلا حدود، ولئن كان دعاة الفتنة المنحسرة على بالغ أثرهم وخطرهم لا يملكون إلا أساليب ضعيفة محددة فدعاة الفتنة المقبلة يسخّرون التقنية الحديثة وكل مسوّقات الأفكار لإيصال أفكارهم وبرامجهم، ولئن كان دعاة الفتنة المنحسرة على بالغ أثرهم وخطرهم لا قبول لهم إلا لدى فئة محددة فدعاة الفتنة المقبلة لهم قبول لدى شرائح كثيرة من المجتمع، ولا عجب فالحذر يؤتى من مكمنه.  وإنها لمصيبة وبلوى عظيمة أن نؤتى من ذات الطريق الذين أُوتينا منه من قبل وكأننا لا زلنا في حاجة لعدة فتن ومصائب حتى نعي الدرس جيدا ونأخذ حذرنا، إن الواجب على الأمة أن تعلم أنها مستهدفة في كل شانها دينها وأمنها وخلقها مستهدفة من قبل كل أعدائها بمختلف صورهم وأشكالهم، وأسلحتهم مصوبة بدقة أكبر نحو أهم رمز من رموزهم ألا وهو بلد الإسلام ومشعله في هذا الزمان بلد الحرمين. ولئن ترك دعاة الفتنة المقبلة مطلق لهم العنان فسيعمق الجرح وتشتد الأذية ويتخلل الخطر كل الوطن، وأحد أهم مصادر هذا الخطر القادم والفتنة المطلة بوجهها الكريه هو ذلك المسلسل التلفازي المشبوه الذي صدرت فتاوى الأئمة بتحريمه دعما ومشاركة فيه وعرضا له ومشاهدة له، إنه برنامج طاش الذي اتخذ في بدايته طريق اللهو والترفيه ليصل إلى القلوب والعقول حتى إذا وصل إلى ما يريد كشف الغطاء وخلع جلباب الحياء، رمى بالفضيلة وسخر من أهلها، ونادى بالرذيلة وزيّنها، ليتحول بحق لبرنامج مغذي للشر في النفوس قاتل للأمل والطموح، وله إخوة يسابقونه وإن قصروا عنه، فمن يصور القضاة والعلماء على أنهم أناس مغفلون تنطلي عليهم الحيل البسيطة والمظاهر الخادعة ألا يدفع المجتمع للصد عنهم ولعدم اللجوء إليهم، ومن يصور الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر أنهم أناس يقولون ما لا يفعلون ينهون الناس عن أمر ثم يأتونه ألا يتهم بالتنفير منهم ومن عملهم، ومن يصور مشاعل المستقبل ونوره المعلمون يصورهم على أنهم هم مصدر الشر ومنبعه، ومن يصور الوطن على أنه وطن يحارب الأمل ويقتل الهمم ويحول الطامحين إلى مرضى نفسانيين يعتمدون في عيشهم على نسائهم، ومن يصور الوطن انه وطن يدفع بفتياته المتعلمات إلى مهاوي الردى ويدفعهن إلى العمل في مواطن الشبهات لأجل كسب المعيشة، ومن يصور الوطن أنه وطن يشرع التنظيمات العجيبة لأجل تعذيب شعبه ثم يترك المجال للخيال حول سلبية قادة الوطن تجاه تلك القضايا التي علّقها، ألا يكون قد فاق في دروسه وبرامجه أولئك الذين غذّوا الإرهاب وأضلوا فئة من الناس، أظن أن هذا بحق هو الإرهاب وهو التخريب والإفساد بعينه، وأي شاب وأي فتاة يا ترى سيحب هذا الوطن وقيادته وهو يرى منهما الحرب المعلنة على الدين والخلق والعيش، كم من شاب قال بحسرة بعد مشاهدة لهذا المسلسل هذه نتيجة الدراسة يا أبي، وكم من فتاة قالت لما أُتعب نفسي بالتعلم ما دامت النتيجة عمل لا يحتاج لشهادة؟ وكم من قائل قال بعد مشهد السذاجة والغباء الذي ظهر به القضاة هذا الذي يأتينا من هؤلاء المتدينين ودينهم؟ وكم من قائل قال أي وطن هذا الوطن الذي نحبه وهو الذي يرفضنا ويحاربنا؟ صيانة للدماء والأعراض لم يذكر الله جل في علاه لنبيه eأسماء المنافقين والمغرضين ولكن أعطاه جل وعلا وأعطى أمته دليلا واضحا تكتشف به الخيانة وتعرف به المنافقون والمغرضون على مدى التاريخ ولجميع الفئات والأفكار ((وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)) ولحن القول أي ما يبدو من كلامهم الدال على مقصدهم وكما قال عثمان رضي ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه  
عباد الله لقد اجتمعت اللجنة الدائمة للإفتاء بتاريخ7/9/1421هـ  وأصدرت بعد دراسة فاحصة لهذا المسلسل المشبوه فتوى بتحريمه عملا ودعما وعرضا ومشاهدة فقال البعض مستهترا هازئا هؤلاء المشايخ لما لمسهم المسلسل وكشف الغطاء عن بعض عيوبهم أصدروا فتوى بتحريمه وقبل ذلك كان مسكوتا عنه، والآن تجلى لما صدرت هذه الفتوى لم تصدر عن هوى في النفس ولم تصدر بناء على موقف معين، بل صدرت عمن يرى بنور الله ويحكم وفق شرع الله، صدرت عمن يرقب الله في كل شأنه، صدرت عمن يقدم مصلحة دينه ووطنه وأمته قبل كل شيء، إنهم العلماء الربانيون، إنهم من يجب الوقوف عند أمرهم امتثالا وطاعة وإن كرهته النفس واشمأزت منه القلوب ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) ولو أن الناس تقف عند خطاب علمائها وموعظة فقهائها لكان خيرا لهم ((وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً)) 
عباد الله إن سخر المجتمع  من علمائه وقضاته احتكم السذج لأنفسهم وبحثوا عمن يوافقهم، 
وإن أيقن الشباب خذلان وطنهم لهم بادروه بالخذلان، 
وإن شربوا اليأس من وطنهم عادوه وهجروه، 
وإن خيل لهم أن وطنهم يحاربهم في دينهم فهل ينتظر منهم غير الحرب؟ 
تعرض المشكلة وتصورها لا حل لها ثم تقول أعرض مشاكل اجتماعية وأظهر إفرازات المجتمع، لا تزرع شوكا وتأمل منه العنب . 
كان من المفترض والوطن يواجه هجمات شرسة لحمله على التخلي عن مبادئه كان من المفترض فتح باب الأمل كان من المفترض تقديم الأفكار النافعة كان من المفترض تقديم الصور المشرقة لجهود المخلصين من العلماء والقادة والقضاة ورجال الأمن لزرع الألفة وسد أبواب الفتنة وقطع سبل الظغينة، إن المتعارف عليه وهو المفترض في مثل هذه البرامج فقط تقديم الفكاهة والطرفة ولكن أبى الشر إلا أن يطل برأسه وأبت الفتنة إلا أن تمد عنقها بحثا عمن تركبه وتعلو ظهره لتحقيق مآربها، إنها رسالة أوجهها لي أولاً ثم لك أنت أخي الحبيب ، ولست خياليا أطالب بعيش مثالي نبتعد فيه عن برامج التلفاز أو نمنعها إذ هي حاجة ترفيهية لا تنكر ولكن أقول حماية للدين ومنعا للفتن لا تتركوا أسركم وهذه البرامج المشبوهة إن كان ولابد فكونوا معهم بيّنوا لهم عورها وعيبها وخطرها، صححوا لهم المعلومة المغلوطة المقدمة من خلالها، وبينوا لهم أهداف أولئك من عرض تلك الأفكار وحسن نية من وافق على عرضها فإنهم إن شربوها، شربوها بخطئها وخطرها والويل لكم أولا ولوطنكم ثانيا من هذا ،أما الدين فلا خطر عليه إذ له في كل زمان جيل يختارهم الله لطاعته وعبادته يعلي بهم دينه ويعز بهم عباده ويذل بهم أعدائه ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) هذا خطاب من المولى لخير القرون، وخير الأجيال وخير الناس هم المؤمنون في عهد النبوة وقد خوطبوا بهذا ونحن أولى بالاستماع لهذا الخطاب فالخطر أكبر .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل