وشارف رمضان على الرحيل 1439
الحمدلله الملك الغني الكريم ملِكٌ لا تغيض خزائنه ولا تثقله مسألة خلقه ولا ينفذ ما عنده، إلهٌ برٌ رحيمٌ رحمته سبقت غضبه ووسعت كل خلقه ونعمه لا تعد ولا تحصى أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومُنح الفضل والخيرية على الخلق أجمع وأُري منزلته العلية الرفيعة فكان أكثر الخلق خضوعا لله وأكثرهم شكرا لله وأطولهم وقوفا بين يدي الله، تأثرتْ بطول المقام في المناجاة قدماه فاستقل ذلك في مقام الشكر لمولاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين اليوم نقف نترقب وداع ما كنا نستقبله مستبشرين به، شهر رمضان قارب الوداع مُوحياً إلينا أننا كذلك قد قاربنا الوداع، أيام ونودع الشهر فيا ترى متى سيودعنا أحبتنا؟ ومن سيودع من؟ وداع لابد منه ولا ندري موعده والسعيد من استعد له بزاد يأخذه معه وليس زادا يبقى لورثته،
هي أيام قلائل ويرحل هذا الشهر الفضيل وقد لا نلقاه بعد عامنا هذا!. تفكر حينما تُسأل ويقال لك قد مرّ بك شهر رمضان فلم لم يغفر لك؟ ولم لم يرض عنك؟ فكيف ستجيب؟
عن كعب بن عجرة قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فلما رقي عتبة قال: آمين ثم رقي عتبة أخرى فقال: آمين ثم رقي عتبة ثالثة فقال: آمين ثم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله قلت: آمين قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله قلت: آمين فقال: ومن ذكرتَ عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين } رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني.
هذه الثلاث رمضان ووالداك والصلاة على الحبيب عليه الصلاة والسلام أسباب للقرب من الله فاحذر من فواتها وانتبه لها وارعها فهي سلمك للنجاة وللجنان،
ومن رحمة الله أن أبقى لنا فسحة في رمضان لا يفوّتها عاقل يدرك ما ينتظره في غده، فلنتق الله في أنفسنا وفي شهرنا وفي نعم الله علينا باستغلال ما بقي من هذا الشهر وبالأخص لياليه العظام فإن إحداها هي ليلة القدر، الليلة التي وصفها الله بأنها خير من ألف شهر وألف شهر يعني ثلاث وثمانين سنة وعدة أشهر، إن وفقت عبد الله لاستغلال تلك الليلة فهذا يعني أنك استغللت ما يوازي تلك السنوات كلها، وثواب عملك الصالح فيها يفوق عملك في ثلاث وثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر، هي ليلة أنزل الله سورة تخصها وسميت باسمها هي ليلة سلام لمن فاز بها والسلامة حظ لمن استغلها، هي ليلة أُنزل فيها القرآن هي ليلة قال عنها جلّ وعلا { حمٓ١ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ٢ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ٣ فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ٤ أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ٦ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ٧ } فإن كنت موقنا بربك وبأنه رب السموات والأرض فلابد أنك متيقن بأنه أرحم الرحمين وأنه أرحم بك منك وأن من رحمته أن جعلك قادرا على استغلال تلك الليلة العظيمة حتى لا تفوتك رحمات تتنزل فيها، هي ليلة تتنزل فيها الملائكة فرحا بالرحمات ومُصاحبَةً لها بالرغم من عدم حاجتها لها فعجبا لمن يحتاجها ويكثر من طلبها ولكنه يتهاون فيها،
إن كافة علماء الإسلام بالرغم من خلافهم في تحديد ليلة القدر من عدمه متفقون على ضرورة قيام كل ليالي العشر واستغلال فرصة التمكن من العمل فيها، إنها ليال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغيّر نظام حياته تماما فيها رجاء ما فيها من خير ورحمات وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ونحن أولى بذلك التغيير في نمط حياتنا لأننا أحوج لرحمة تتنزل علينا فتغفر الذنب وتقيل العثرة وتجبر الحال المنكسرة. يقول رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ} مسلم.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ، فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ} مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ؟ فَقَالُوا: فُلانٌ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ. رواه الطبراني وصححه الألباني.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا كما يحبه ربنا ويرضاه والشكر له سبحانه على ما أولاه من الفضل والنعيم في قديم وحديث وخاص وعام والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
مضت ليالي رمضان فهل يا ترى أحسست بأثر في قلبك؟ هل تأثرت رجلاك بطول المقام حتى تعبت؟ هل ترى أنك قدمت ما يشفع لك ليرضى عنك ربك؟ تأمل رعاك الله قول الله تعالى واعمل على أن تكون مخاطبا به { يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ٦٨ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بَِٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ٦٩ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ٧٠ يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ٧١ وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ٧٢ لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ٧٣ }
ولتكون فائزا بهذا الخطاب استجب لقول الله تعالى { وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا٢٨ }
ومع كل عبادة وحين حلول كل موسم وترحله علينا أن نتذكر أن الله إنما يريد بنا اليسر ويريد ان يتوب علينا وأن يطهرنا ويريد أن يعطينا وأن نسعد سعادة لا نشقى معها ولا بعدها، فلنختم بخير فإنما الأعمال بخواتيمها والله تعالى يقول { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ () وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }
فليكن العذر هو العمل ورجاء الرحمة الواسعة نسأل الله أن يعيننا على ذكره
فاختموا شهركم بما يرضي الله عنكم وبما يسركم يوم تلقون خالقكم،
أذكّر بليلة القدر لا تفوتكم وهي لن تفوت من اعتنى بليال العشر،
لا تفوتكم دعوة مسلم يصلي معكم ولا تفوّتوا من هو سبب في حضور الملائكة لصلواتكم ولدعائكم ونقلها إلى خالقكم وإنما يكون ذلك مع جماعة تجتمع لذكر الله وتعظيمه ومسألته في بيت من بيوته، وآخر ساعات ليال العشر هي اللحظات المرجوة لذلك فاغتنموها.
ولا تنسوا آخر ساعة من عصر الجمعة يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ. وَقَالَ بِيَدِهِ: يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا} مسلم. وأكثروا من الصلاة على من بكى شوقا للقائكم وعامة مناجاته لربه يوم القيامة دفاعا عنكم نبيكم وسيدكم محمد بن عبدالله فذاك أمر ربكم
تعليقات
إرسال تعليق