خطبة عيد الفطر السعيد لعام 1439 هـ

شكر الله على رمضان والفرح بإدراكه وبإكمال عدته
العلاقات الإنسانية قيمة حياتية ومطلب شرعي
رعاية الوطن بإبراز قيمه ومُثلِه والدفاع عنه والصبر على ما نكره
رعاية الوطن بمحاربة الشرك ولو صغر وبإقامة الصلاة جماعة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من يرى العيد مملا فهو مسكين فاعذروه
كن أنت عيدا في العيد يكن العيد سعيد



الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، 
الحمد لله ولي الصالحين ومُتم نعمه على المتقين ومُسبغ فضله على المحسنين، عطاؤه عمّ كل الثقلين فمن شكر زاده ومن كفر عذّبه بما وهبه، 
أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين وإمام العباد المتقين الصائمين القائمين، الفرحين بإتمام النسك العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين وبعد عباد الله 
فحمداً وشكراً للمولى أن منّ علينا برمضان وأن منّ علينا بإكمال عدة رمضان، نعلن الحمد والشكر جهراً بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح والاستغفار فبهذا أمرنا ربنا جلّ وعلا ورضيه منا وهو الكريم المنان وبه نشارك ملائكة الرحمة عبادتهم، 
ومضى رمضان عباد الله بعد أن تقرّب المؤمنون لربهم بأنواعٍ من العمل تسابقوا فيه حسب وسعهم مستجيبين أمر ربهم سبحانه حيث يقول 
{ سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ٢١
أدركوا فضل الله عليهم فتغانموا الفرصة المتاحة ليقينهم بوجود سعة من الوقت في غير تلك الفرصة مجال يكفي لإدراك كل ما يتوهم فواته، فالبيع والشراء واللهو والدعة التي استغرقت وقت الآخرين لم تفّت في عضدهم حينما شمّروا لطاعة ربهم وسيجدون بعد رمضان فرص أوسع وأجمل كجمال وسعة رمضان 
{ قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ٥٨ }
 أدرك المؤمنون فضل ربهم فكان الشكر منهم يتمثل في فرح به ومسابقة له وعمل بمقتضاه، وتنافس زاد في إيمان قلوبهم وزاد في الود بينهم، مضى رمضان ونحن بحمد الله وبرحمة الله وبحسن ظننا في الله متفائلون أنه شاهدٌ لنا ورافعٌ لنا ومُقرّب خيرات السماء لنا وأننا قد قُبِلنا وتُقبّل منا. 
الله أكبر ولله الحمد وإن من فضل الله علينا عباد الله هو هذا اليوم السعيد يوم عيد الفطر، وإن مما شرعه الله تعالى يوم العيد هذا الاجتماع المبارك الذي سبقت إليه الملائكة مبادرة في التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح ومُقدمة الاستغفار للمؤمنين جزاء حسن عملهم وصدق إيمانهم، تسأل الله للمؤمنين الرحمة والمغفرة وتوثّق حضورهم واهتمامهم لنزداد تفاؤلاً بقربنا من ربنا وقربه سبحانه منا وقبوله لنا، 
عباد الله ولما حلّ عيد الفطر السعيد كان لابد للسعادة أن تعمُر القلوبَ المؤمنة علّها كما اعتادت الصوم والقرآن في شهرها أن تعتاد الفرح وسلامة الصدر وبشاشة الوجه كل عامها. 
بفضل الله وبرحمته قرأنا كتاب ربنا وتلذذنا بتأمل توجيهاته وعبره ومواعظه، 
وما أروع تلك العناية الإلهية بالعلاقات الإنسانية بين الناس جميعا، هل وجدت يا تالي القرآن آية في كتاب الله تدعو لمنابذة أحد ما إلا وهي مسبوقة أو مُعقّبة بما يفيد بأن المقصود هو العدو المقاتل دينا والعدو الطارد من الديار أو المنافق المتآمر المكشوف؟ 
أما مع المسالم من المسلمين وغيرهم فلن تجد إلا دعوة للحسنى { لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ٩ 
نبّه جلّ جلاله لخطورة التكاسل عن الصلاة وتوعد الكسالى بالويل وقبل ذلك حذّر سبحانه من إهمال العلاقات الإنسانية مع من يحتاجها 
{ أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ١ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ الۡيَتِيمَ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ٣ فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ٤ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ٥ ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ٦ وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ٧ 
ومثل هذا الأسلوب في القرآن متكرر، بل جعل سبحانه كرامة الإنسان ورقيه في جودة علاقاته الإنسانية{كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ١٧ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ١٨ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا١٩ وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا٢٠ 
فالحسنى قولا وعملا وتعاملا مفروضة في كل الأحوال السلمية وخاصة عند البيع والشراء، ولئن كان هذا التوجيه مع الناس عامة فإنه مع الأقربين متأكد ومحرم خلافه
 { ۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا٣٦ 
لأجل الحسنى في التعامل الأسري يهب الله بيت الزوجية بمجرد افتتاحه ودً ورحمة تؤلف القلوب وتزيل الحواجز وتجلب التعاطف مع الهموم والأحزان والآلام وتحمل على التجاوز عن الأخطاء والزلات، وإن من أشد الناس حاجة للعلاقة الإنسانية الطيبة هي الزوجة بعد فراقها فالله جلّ جلاله لما ذكر أحكام الطلاق والحضانة قال سبحانه { وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا٨ 
قرية أي دولة أهلكت لما ظلمت وأساءت فكيف ببشر يرتكب نفس التجاوزات لضعف الآخر فليرتقب حسابا شديدا وعذابا منكرا وفي المقابل من أحسن فليرتقب الحسنى فما جزاء الإحسان إلا الإحسان نسأل الله إدراك فضله والعون على شكره والفوز بالإحسان في كل شأن وحال

الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير بما هو أهله وأصلي وأسلم على النبي المصطفى السيد الحبيب المجتبى محمد بن عبد الله به أنار الله السبل وهدى، ومعه سعدت الأرض وأهلها، وعمّ السعد والخير لما أشرقت سنته في مظهر وسلوك أمته صلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه حملة الرسالة للأمة والتابعين المحافظين على السنة إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله إن من فضل الله على هذه الأمة هذا الوعي بسنة الحبيب يوم العيد فاختفت تلك الرسائل التي تقول بأي حال عدت يا عيد، 
اختفت لأن الناس وعت سنة نبيها وصارت تبحث عن أسانيدها ولا تنقل كل ما وصل إليها، 
واختفت لأن العيد يعود وبشائر الخير تلوحُ 
فهذه قلوب تطهرت في شهرها 
وهذه بشائر نصر تدحر فيه الرافضة وأعوانها 
وهذا وطن يلقي عنه مؤنة فكر منحرف في تطرفه وفي انحلاله 
لينطلق مستشرفا مستقبلا تعلو فيه رايته راية الإسلام الصحيح خفاقة. 
ومن كان يستشرف عزة الإسلام والمسلمين فليشارك الوطن استشرافه وليشارك الانطلاقة بعمله الجاد وبكلمته الصادقة وبدعائه الخالص كلٌ في موقعه وبلده فلكل أثره وإن رأى صغر قَدَرِه، خصوصا والوطن في انطلاقته يواجه حملة شرسة لإحباطه ولتفريق صفه وإفساد وحدته، 
هذه برامج تلفازية يضحك لها الناس وهي تُسقط إسقاطات سياسية لإحداث بلبلة، 
وتلك أصوات عربية بغيضة تحمّل الوطن تبعات إتبّاعهم لأهوائهم ولأمزجتهم العفنة ولفساد حكامهم، وتلك قوى سياسية تتحرك جاهدة لإيقاف المسيرة، 
ولأن قليل من عباد الله شكور فلئن يكون الشكور للوطن أقل أمرٌ لا يقبل الجدل فاحذر أن تكون ممن أضاع الشكر لربه أو لوطنه أو استفزه صوت منكر ناكر للجميل، 
إن كان الوطن يهمّك فأظهر همك بدفاع عن قيمه وبرعاية لسمعته وبعناية برقيه وبوحدته، 
سنسمع الكثير من الأذى ونراه ملموسا فعلينا كما أمرنا ربنا أن لا نقعد معهم ما داموا في فحشهم وأن نتقي الله فيهم نحذّر منهم ولا نفحش في الرد عليهم، 
علينا نرعى الوطن كما أمر الرب جلّ وعلا بمحاربة الشرك ولو صغر وبإقامة الصلاة جماعة في وقتها وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلٌ في مجاله وحسب وسعه والدور المناط به حتى تكون تلك الركائز شعارا لكل منا. 
الله أكبر ولله الحمد في يوم العيد سنسمع وسنقرأ من يقول بأن يوم العيد ممل، لا بأس اعذروه فهو مسكين بُلي بسلبية متناهية وبتباهي مقيت، 
سلبي متباهي يريد من الآخرين أن يُقدموا له ما يسعده وهو متكئ لا يعمل ولا يسكت، إن نظرته السلبية تجاه أسرته وأفكاره الخاطئة التي لم يغسلها رمضان لسوء فعله في رمضان ولخزن قلبه لتلك الأفكار طوال هذه السنين جعله ينظر بملل لكل ما هو جميل،
 أيها الحبيب يا من تريد العيد أن يكون سعيدا سل نفسك قبل أن تصل لأهلك كيف ستجعل العيد سعيدا، كن أنت عيدا لأهلك ولا تترك الفرصة لغيرك يكن العيد سعيدا وتسعد به وبأهله، ازرع ابتسامة أنكر بلطف وجّه بلطف أعرض بلطف شارك الفرح، 
كُن عيدا كما كان سيدك سيد العابدين محمد بن عبدالله عليه صلوات الله وسلامه. 
وقبل الختام عباد الله أذكر بأن من نعيم الجنة نعيم يمكن التمتع به الآنيقول جلّ جلاله { جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ٢٤ } من نعيم الجنة نعمة اجتماع الأسرة فاستمتعوا بأسركم في يوم عيدكم تعيشوا أجواء الجنة في دنياكم، 
لا تنسوا أن جودة الحياة مع جودة العلاقات الإنسانية للناس جميعا وأن العيد لن يكون عيدا سعيدا حتى تكونوا أنتم العيد والوطن ينتظر فرحة تشاركون في صنعها فلا تبخلوا بدعائكم وصبركم وكبت عدوكم. 
عباد الله يقول الله تعالى { يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ٦٨ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ٦٩ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ٧٠ يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ٧١ وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ٧٢ لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ٧٣  
أسأل الله لي ولكم ولوالدينا وأحبتنا أن نكون ممن ينادى بهذا النداء الإلهي، 
أسأله سبحانه أن يتقبل منا العمل على نقص وخلل فيه وأن يضاعف لنا المغفرة والرحمة وأن يجعل عيشنا رغيدا سعيدا نهنئ فيه بقرة العين في الأسرة والوطن وأسأله لنا جميعا العافية في الدين والدنيا والثبات على سنة الحبيب المصطفى حتى نلقاه عند حوضه وندخل الجنة معه صلوات الله وسلامه عليه 
وأسأله سبحانه في هذا المقام أن ينصر قواتنا المسلحة وأن يدحر الرافضة والصهاينة وأن يعمّ بلاد المسلمين بالأمن والرخاء واجتماع الكلمة وسؤدد الحال 
وأن يحفظ ولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده وأن يأخذ بهم وبأعوانهم للهدى والحق حتى يكونوا في طريق رضاه سائرون وفي سبيل الرأفة بنا والرقي بنا وحفظ وطننا عاملون وموفقون 
الله أكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل