استعدادا لرمضان المبارك 1439

الحمد لله المبدئي المعيد، خالق الخلق، ومدبر الكون، غافر الذنب وقابل التوب ومقيل العثرة الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، النبي المصطفى والحبيب المجتبى سيد ولد آدم كلهم وخاتم الرسل وإمامهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. 
وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا أن التقوى هي مظهر وصفة وخُلق الناجين من الأولين والآخرين, وهي وصية الله لعباده, ووصية الأنبياء والمرسلين لأممهم, 
وحقيقتها: اتقاء غضب الله وسخطه بتقديم أوامره وأمر رسوله على ما تحبه النفس وتهواه, 
ولها ثمرات ومهام منها أنها تقي النفس عما يضرها في دينها ودنياها, وتعيد النفس إلى جادة الحق كلما زاغت وانحرفت، وتحمل النفس على الحق كلما كسلت أو فترت. 
كل هذه المهام تقوم بها التقوى إن عُمِرَ القلب بها كي تسلم النفس وتنجو من حال الألم والحسرة, حال العصاة الذين حكى الله حالهم لما قضي الأمر وأُخِذ المؤمنون المتقون إلى جنات النعيم (( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ () يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ )) 
في حياتهم وفي رخاءهم بحثوا وتعرضوا للشهوات والفتن, وانساقوا وراءها مخادعين أنفسهم ببساطة الذنب ويسر الخطيئة، وبتمني المغفرة والرحمة بدون التعرض لأسبابها، غرّهم الشيطان وغرّتهم أنفسهم الأمارة بالسوء فحُرموا ما فاز به غيرهم ونالوا جزاء غفلتهم وانسياقهم خلف شهواتهم, 
يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إيَّاكمْ ومُحقَّراتِ الذُّنوبِ، فإنَّهنُ يَجْتَمِعْن على الرجل حتَّى يُهْلكْنَهُ. 
فحتى لا نهلك وحتى لا نمر بحال كحال من يتمنى نورا أو ماء باردا يوم القيامة فلنتق الله فيما أمَرَنا وفيما نهانا وفيما نقدّمه ونقدم عليه, ولنأخذ زادا مما يمر بنا من فرص الزمن, فإن ما يمرُ يمر ولا ينظر ولا ينتظر ولا يتوقف. 
لديك موعد مهم لديك مراجعة للمستشفى ومشاغلك كثيرة ونسيانك أكثر فإنك تضع منبها ينبهك للموعد ويلومك محبوك إن لم تضع المنبه، 
ونحن في خوضنا لمعترك الحياة جدا ولهوا نغفل عن أنفسنا فيرسل الله لنا ما ينبهنا، ورمضان أزف بفضله الله وهو ينبهنا إلى أن العمر القصير يكاد ينقضي وأن الزاد القليل لن يكفي، فكأنه يقول ها أنا بين أيديكم فاملئوا خزائنكم وهيئوا أنفسكم للفرح حين تلقوا ربكم، 
رمضان موسم خير قد أطل ينبهنا لضرورة حيازة الخيرات التي لا غنى لنا عنها والتي لا ندفع ثمنا لها. رمضان هو شهر الصوم وشهر الذكر وشهر الصلاة وشهر النفقة، 
هو شهر غذاء الروح بما ينعشها ويسمو بها ولذا كان الريان اسما لأحد أبواب الجنة يدخل منه الصائمون لما صاموا فغذّوا أرواحهم وارتوت بمشاعر الإيمان قلوبهم فكانت أجسادهم أهلا للولوج من باب الريان جعلنا الله ووالدينا وأحبتنا منهم. 
رمضان موسم عظيم لا يتكرر في العمر إلا مرات قليلة ولعظم ما فيه من خير فإن المحروم من حرم خير رمضان، وكل سيأخذ غنائم من رمضان إلا من أبى أن يأخذ!! 
وكل من لم يستعد قبل دخول رمضان فإنه إما ممن أبى أو شارك الرافضون للأخذ في رفضهم، من أراد أن يأخذ من رمضان نصيبا وافرا فليستعد له من الآن. 
في كل عام وكلما حلّ رمضان قلنا هذا موسمنا وهذه فرصتنا لن نفرّط فيها لن يفوتنا شيئا من غنائمه فما نلبث إلا وقد بدأ الناس يستعدون لإخراج زكاة الفطر وانشغلنا بالعيد ونسينا آمالنا في رمضان، فرس السباق التي لم تُهيأ للسباق لن تسبق ولن تجرؤ على دخول الميدان وهكذا الروح إن لم تُهيأ لرمضان فسترى أن عمل الصالحات في منأى عنها وأنه صعب عليها وأنها دون أولئك القوم الذين سابقوا للعمل الصالح. 
جعلنا الله من السابقين للخيرات الفائزين بها

الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, وقدوة للمؤمنين, محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه, وعلينا وعلى عباد الله الصالحين في كل زمان ومكان. وبعد عباد الله. 
فلنبدأ من اليوم بالاستعداد لرمضان علّنا أن نكون من المصطفين السابقين بالخيرات، وأول خطوات الاستعداد 
تطهير القلب من الشوائب التي تمنع وصول الحق للقلب فإن القلب هش ضعيف كل أذى يمرضه وكل عرض يحجبه، تفقد قلبك فانزع منه تلك النقطة السوداء المقيتة التي تفتح منافذه للسوء ليفسده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ، كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 
تطهير القلب يكون بمراجعة ما نعمله وننظر إليه ونتكلم به ونكره أن يطلع عليه من نحترمه، ولا تقل أنا لا ابالي ولا يهمني أحد فإن تلك مصيبة أعظم خطأ من الخطيئة لأنها مجاهرة بالخطيئة وتحدي لمن أمر بالستر جلّ وعلا فهي عدة خطايا وليست خطيئة واحدة.
 تفقد سرائرك وعالج ما يتردد في قلبك أنه لا يرضي الله، 
ابدأ بهاتفك فطهّره لا تقدم لبيت الله للقاء الله وأنت تحمل ما يغضب الله وما يكرهه الله من مناظر وأفكار ومقالات، 
ابدأ بسمعك فطهّره وببصرك فنزهه وبوقتك فاعمره ولا تدمّره، 
استعد لرمضان بمراجعة بعض الاحكام مثلا رؤية الهلال في ماذا تختلف رؤية هلال رمضان عن رؤية هلال شوال راجع الذكر الخاص برؤية الهلال راجع بعض الفتاوى الموجزة في أحكام وحكم الصيام، وتعرّف على الأخطاء التي يقع فيها الناس لتجتنبها وانظر في طموحات الصالحين وأينك منها،
 وتصفح كتاب ربك وقلّب النظر في حروفه والفكر في أخباره وعبره ومواعظه، وبادر الصلاة مع سماع النداء ولا تنتظر الإقامة،  
تذكر قول الله تعالى { وأما بنعمة ربك فحدث } وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده. أنعم الله عليك بالإيمان وبالهداية للصراط المستقيم وباتباعك لإمام المرسلين وبأن جعلك من المسلمين القادرين على الصيام والقيام والقدرة على انتقاء ما تحب من العمل فاستعد لتحدّث بهذه النعمة وليراها الناس منك وفيك. 
اتق الله فاستعد فالكل قد استعد بما يُطلب منه التجار وأهل بيتك ورجال الأمن والحسبة وأهل الدعوة وجهات الخير، وطلاب الصدقات قد استعدوا وأهل الفساد شياطين رمضان قد أكملوا الاستعداد فلم يبق إلا أنت فاستعد بما يطمئنك حين موتك وفي قبرك ويوم مبعثك وحين الحشر مع الخلق ولحظة دخولك الستر للقاء ربك فتحجب عن الخلق أجمعين وتعرض اعمالك عليك عرضا فاستعد بما يخرجك من لقاء ربك فرحا مسرورا. 
وأجود استعداد التعرف على هدي النبي المصطفى في رمضان، ذلك الحبيب المجتبى الذي ينتظر منا صلاة وسلاما عليه كل لحظة وينتظر الكثير منها يوم الجمعة فلنبادر إلى إسعاده بها كي يردها علينا وكي يصلي الله بها علينا عشرا فنسعد سعادة لا منتهى لها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل