حول ليلة النصف من شعبان
الحمد لله الملك العزيز الحكيم وسع كل شيء علما وعدلا وفضلا أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير الخلق أجمعين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
الناس تتقلب أحوالهم تنوعا وتباينا بين يوم وآخر، أيام تصبح مُشرقة بالصفاء والنقاء والفأل الحسن، وأخرى ملوثة أجواؤها ملية بالقلق والحزن لحظاتها، وأيام بين ذلك كثيرا،
والدنيا لا تخبر الناس عما ينتظرهم لتكون هذه رسالة لنا أن المقام يوشك على الانقضاء، وأن لا اختيار لأحد حينما ينزل به داع الرحيل حتى وإن كانت أسباب البقاء قوية حاضرة، فالعمر ينقضي مرحلة ترحل ومرحلة تحل، نعيش ما بين ماض رحل ومستقبل ننتظر وأما الحاضر فلا يكاد يُذكر، المهلة تتقلص ولابد من لحظة ليس بعدها لحظة ، والآن وفي هذه اللحظة دخلنا اللحظة الأولى من المرحلة المتبقية من أعمارنا وما مضى قبل هذه الجملة فهو مما مضى ولن يعود ،
نسأل الله طيب الحياة والرحمة السابغة وحسن الخاتمة وجميل اللقاء به جلّ جلاله.
عباد الله شهر شعبان شهر يمهد لما بعده، شهرُ يذكّر بأننا يجب أن نسعى لنكسب فلا كسب لمن لم يستعد ويتجهز، ولقد يسر الله لعباده المؤمنين أمر دينهم وخفف عنهم كل ما قد يعيقهم وسخر لهم كل ما يعينهم حبا منه سبحانه في طهرهم وفي اطمئنانهم وفي رفعة منازلهم يقول ربنا جل وعلا {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
من أراد الأمن والأمان والسرور وتحقق الآمال فعليه بالتقوى وصالح الأعمال يصلح بهما نفسه وحاله ومن يخالطه فيما بقي له من مهلة في هذه الدنيا.
عباد الله عن أُسَامَةَ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ}النسائي وأحمد.
فشهر شعبان شهر له خصوصيته وله مكانته، فهو يسبق شهر رمضان ويمهد له والناس فيه تستعد لرمضان ولكنها لقصور فهمها تغفل عنه أي عن شهر شعبان مع فضله وأهميته،
كثير يؤخرون زكاة أموالهم إلى رمضان طمعا في فضل التعبد في رمضان ولا شك أنه فضل عظيم يفوق غيره في بقية الأزمان، ولكن حينما يصادف الإنفاق حاجة ماسة للمستحق فإن منزلة وفضيلة التفريج عن المكروب وذي الحاجة تفوق على فضل النفقة في رمضان مع شرفه وعلو قدره،
تلاوة القرآن الكريم هي من أنواع الذِكر الفاضلة والكثير يغفل عنها في غير رمضان لأنه لم يعتد ككثير غيره تخصيص وقت للتلاوة، الصيام عبادة يغفل عنها الناس سعيا في معيشتهم فكان لصيام شيء من شعبان خصوصية وفضل،
لما حلّ رمضان سأل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمران بن حصين فقال له: أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت فصم يومين} متفق عليه. سرر الشيء قيل هي أوسطه وقيل آخره والمراد التنبيه على صيام ولو يومين من شعبان بنية أنها من شعبان لفضل صيامهما. وكل زمن يغفل الناس فيه عن العبادة تعظم العبادة فيه ويعظم أجرها ويكون لها ثقلها في الموازين عند الله، بل يكون لها حب من الله بقدر لا يعلمه إلا الله، كصلاة آخر الليل وصلاة الضحى والتعبد في شعبان يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ}
المؤمن موقن بلقاء ربه فهو يعمل لتقديم ما يسره حين انعقاد هذا اللقاء،نسأل الله بياض الوجه وفرحة القلب وأنس النفس حين اللقاء به جلّ وعلا،
وإنما تزول المشاحنة ويرتفع الحقد برد المظالم لا بكلمة عابرة تطلب فيها العفو والمسامحة، فالمطلوب من المسلم لبراءة ذمته من حقوق الآخرين هو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ِمَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ} البخاري.
فإن علمت أنك ظلمت فرُدَّ الظلم وإن أيقنت خطؤك فاطلب الصفح وإن كان في قلبك غِلا وحقدا فاطرده وطهر قلبك، وهذا لا يكون والحقوق باقية، أما المطالبة العامة والقلب على حاله من تشوّف لما لدى الآخرين فإنما هي مطالبة ممجوجة ووهم توهم به نفسك أنك قد برأت ذمتك وفزت بالسلامة من تبعات صلتك بغيرك، فإن كنت لا تعلم مظلمة ظلمت بها أحد فاحمد الله واسأله الثبات.
عباد الله إن كنا نرغب الفوز برمضان فلنتفقد أنفسنا قبل رمضان لنعوّد أنفسنا فتح كتاب ربنا وتلاوة شيء منه ولو في الهاتف، لنعقد العزم على صيام يومين من شعبان وصوم الأيام البيض منه شيء جميل، ولنتفقد من حولنا فإن كانت بهم ضائقة تعيق فوزهم برمضان فلنعينهم ففي عونهم خير عظيم لمن أعانهم،
ولنكثر من الدعاء بأن يغفر الله لنا ولأحبتنا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات واعلموا أن من أجمل الأذكار واكثرها عونا على التمسك بالهدى الصلاة والسلام على خير الأنام فتلك وصية الله وأمره ولشرفها بدأ فيها بنفسه المقدسة
تعليقات
إرسال تعليق