وصية بالتوبة
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، يغفر الزلة ويقيل العثرة ويعظم الهبة والعطية، يفتح أبوابه ويتودد لعباده، علّهم أن يسألوا فيعطيهم ما سألوا، وعلّهم أن يدعوا فيستجيب لهم، فسبحانه من ملك عظيم غني كريم بر رحيم،
أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الخلق أجمعين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
أما بعد عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته فالوصية بتقوى الله هي وصية الله تعالى للأولين وللآخرين، وهي دعوته سبحانه لمن أراد تفريجاً كربته وسعةً وبركةً في رزقه يقول سبحانه وتعالى { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً () وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }
فبالتقوى يُفرج عن المتقي ما نزل به ويفوز بمطلبه وينعم في دنياه وأخراه. عباد الله كثيرا ما يأمرنا ربنا جلّ وعلا بالتوبة خصوصا في حال كنا في غاية التقى وفي أعلى منازل الإيمان،
وإن كنا دونا ذلك وكلنا دون ذلك فالوصية بالتوبة تتأكد أكثر وأكثر.
نادى الله تعالى المؤمنين الذين هم صفوة الخلق في زمانهم والذين اختارهم سبحانه على علم منه سبحانه ولحكمة قدّرها جلّ جلاله اختارهم ليكونوا رسلا يحملون رسالة رسوله، نادى المؤمنين حاثا إياهم على التوبة والاستغفار. والتوبة تعني الرجوع عن الحال الخاطئة التي وقع فيها العبد قصدا أو سهوا أو تحت ضغط المجتمع ومسايرة الناس، رجوعا بعد يقظة من تلك الغفلة التي أوقعته في الخطأ، رجوعا بندم وبكراهية لما حدث ولما سبب الحدث،
وقد يود البعض أن لو أقدم على التوبة ولكنه لم ير نفسه قد أذنبت ويرى أنه أحسن من غيره. وهنا يتجلى للمؤمن فداحة ما هو فيه من خطأ، ولو تأمل قليلا لوجد أن الله تعالى إنما أمر بالتوبة المؤمنين الذين لا يعملون السيئات، وأول من نفذ هذا الأمر الإلهي هو المعصوم عن الخطأ سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله نبينا وسيدنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يتوب في اليوم اكثر من مائة مرة.
فغيرهم من باب أولى.
إذن فالخطأ الذي تجب التوبة منه أحد أخطاء أربعة:
إما خطأ بترك واجب،
وإما خطأ بفعل محرم،
وإما خطأ بترك عمل صالح تيسر فعله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وليست التوبة من فعل السيئات فقط، كما يظن كثيرٌ من الجُهَّال، لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم؛ بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيئات المنهي عنها اهـ ،
والخطأ الرابع الذي تجب التوبة منه الجزم بقبول الله للعمل الصالح، فمن أعلى منازل التائبين منزلة من يتوب من تقصيره في الحسنات بعد أن يعملها ومنزلة من يخاف بأن لا يكون قد أتى بالعمل على الوجه المطلوب، ولذا صح عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: لا يَا ابنة الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ وفي رواية أنه قَالَ: يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ لَا يُنْجِيَهُمْ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ.
وقد نقل عن الحسن البصري رحمه الله قوله : إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة.
وهذا لا ينافي حسن الظن بالله ولله المثل الأعلى فقد يدخل أحد اختبارا لمادة يحبها ويحب أستاذها العطوف عليهم ويجيب إجابة يجزم بصحتها ومع ذلك يظل خائفا قلقا حتى تصدر النتيجة. فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون أكثروا من الاستغفار لعلكم تفوزون برضا ربكم وأكثروا من تفقد أنفسكم ماذا تيسر لكم فعله فآثرتم عليه غيره وكل على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد عباد الله
فلقد وعد الله التائبين بأمور منها
مغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم،
ومنها نور يغبطهم عليه أهل الموقف يوم القيامة،
ومنها مساكن طيبة يحمدون الله عليها إذ وفقهم لأسباب الفوز بها،
كما أن حظوظهم من الدنيا تفوق أحلامهم حيث المتاع الحسن حيث الرزق والبركة وصلاح الولد
{ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ }
كل هذا العطاء الإلهي وكل هذا الخوف من العذاب الإلهي إنما هو بسبب:
حب الله للمؤمنين،
وغيرته عليهم أن تجراهم الشهوات على الذنوب التي لا يرضاها سبحانه وأن تأخذهم شهواتهم بعيدا عنه جلّ وعلا.
لا يخفى على مؤمن حب الله تعالى للمؤمنين والله تعالى العلي العظيم الجليل الكريم إذا أحب غار سبحانه على محبوبه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ} متفق عليه.
فإذا رأى سبحانه ذنوبا غلبت على عباده فصدت بهم عن ذكره وصلته، وجرّأتهم على ما يكره، غار جلّ جلاله عليهم فذكّرهم ونبههم، إما بواعظ يحرك القلوب فينهضها أو بحدث يهز القلوب فيوقظها، وإن لم ينتبهوا غضب عليهم فأعرض عنهم ليستبدل غيرهم.
ونحن اليوم تحت ضغوط أحداث من بداية ارتفاع في الأسعار وقحط في الأمطار وكثرة خلاف وتدابر بين الأحبة هي نذر غيرة الله تعالى، وإن لم تدفعنا هذه الأحداث للتوبة فالران قد غلب على قلوبنا والله تعالى قد نسينا كما نسيناه ووكلنا لأنفسنا عقوبة لنا وإعراضا منه سبحانه عنا، فوجب تدارك الأمر بالتعاون على التوبة والرجوع عن الخطأ قبل أن يكبر الأمر،
كم من الفرص التي أضعناها؟ هذا التضييع يحتاج لتوبة،
كم من طاعة فعلناها بحب لها ورغبة فيها ورجاء الخير من ورائها ثم قصرنا وأسأنا فيها؟
هذا يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس خطبته خطبة تشهدها الملائكة وتعظّمها وتعظّم تبكير الحضور لها فمتى دخلنا المسجد لأجلها؟ تضييع يحتاج لتوبة،
ومن تفقد يومه وليلته وجد فرصا سنحت لذكرٍ ولتلاوةٍ ولكلمة طيبة ولعملِ خيرٍ قد فرط فيها، وهذا التفريط يحتاج لتوبة،
كم من المشاهد التي تنقص إيمان المؤمن نشاهدها كل يوم هذه المشاهدة تحتاج لتوبة،
وإن ذهبنا نعدد أخطاءنا بقينا كل يومنا
فتوبوا إلى الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون،
توبوا قبل ان يغار الله فيعاقب،
ولتكن غيرتنا على صلتنا بربنا وسيلتنا للوقاية من غضب ربنا،
لنبادر التوبة قبل ان نشتهيها فيحال بيننا وبينها { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ }
يشتهون العودة لأجل التوبة ولكن هيهات فقد انقضت المهلة، التوبة تعني مفارقة ما كان سببا في تلك الخطيئة وتلك الغفلة وذلك التفريط.
نسال الله الإعانة على ذكر وشكره وحسن عبادته ونسأله التوفيق للتوبة النصوح التي تفتح لنا أبواب رضاه ورحمته
تعليقات
إرسال تعليق