الخصوصية حق خاص له حرمته


الحمد لله العزيز الحكيم الولي الحميد ذي العرش المجيد الفعال لما يريد خلق خلقه فبّر بهم ورحمهم وشرع لهم ما يقيم حياتهم وفق أحسن القيم والنظم وفي أجمل وأسعد الأحوال، 
أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه والتزم هديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فلقد وصاكم الله بتقواه وجعل التقوى فاصلة التكريم عنده فقال سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } فالتقوى مطية المؤمن نحو السيادة والفخر يوم القيامة، 
والمتقي في قوله وفي عمله وفي نقله للقول هو المحقق للحكمة الربانية في هذا التنوع البشري في كل مجتمع، يتقي الله فيراعي ما للآخرين من حقوق ومن قيم ومن مشاعر فلا يؤذهم فيها ولا ينتقصها ولا يطالبهم بالتخلي عنها يقول الله تعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } 
وكذا لا إكراه على العادات والقيم ما دامت لم تؤذ الآخرين ولم تعارض الآداب العامة للمجتمع، وهذا ما يسمى بحق الخصوصية التي كفلها الشرع الإسلامي الحنيف منذ خمسة عشر قرنا والتي جاء الإعلان العالمي 1984 م أي قبل ما يقارب ثلاثين عاما ليقرها كحق إنساني بعد أن عانت الإنسانية من انتهاكه، وقبل خمسة عشر قرنا نزل علينا أمة الإسلام قول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ () فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ () لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ () قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } 
ويقول عليه الصلاة والسلام : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا} متفق عليه
أي لا تسعوا لاختلاس النظرات ولا تتحروا الأخبار الشخصية لغيركم، كل ذلك حماية لخصوصية الإنسان ولم يفرق الله تعالى بين بيتٍ مسلمٍ ولا غيره فلكلٍ خصوصيته ولا يحق الاطلاع على هذه الخصوصية. يقول عليه الصلاة والسلام : وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ} البخاري
مجرد استماع لمن لم يأذن وتطفل على مشاعره وسلوكياته، والآنُكُ يعني الرصاص المذاب. ويقول صلى الله عليه وسلم: مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ } مسلم
وثبت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد لاحظ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ حُجْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِه فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ} البخاري
وقد جرّمت الأنظمة السعودية التدخل في خصوصيات الأشخاص أو شؤون الأسر أو الاطلاع على المراسلات الخاصة ومنعت ذلك إلا بإذن وبعد وجود مبرر أمني أو أخلاقي. وذلك في عدد من مواد نظام الحكم. وفي نظام الإجراءات الجزائية ورد النص التالي: للأشخاص ومساكنهم ومكاتبهم ومراكبهم حرمة تجب صيانتها، وحرمة الشخص تحمي جسده وملابسه وماله وما معه من أمتعة. أ هـ 
كل ذلك حماية للحرية الشخصية ان تنتهك، وحماية للآداب والقيم العامة من أن تخدشها الحرية الشخصية. وعلى هذا فيمكننا القول بحرمة وتجريم تصوير الناس وهم في غفلة عن المصور الذي يختلس التصوير ونشر صورهم في وسائل التواصل الاجتماعي وهم في أوضاع لا يرضون نشرها، حتى وإن  كانوا مخطئين مخالفين فلا يجوز نشر صورهم لأن في هذا تشهير إن كان التصرف مخالف للنظام، وجناية إن كانت المخالفة مجرد وهم لدى المصور الناقل، وأما إن كان السلوك فاحشا خاطئا فكذلك لا يجوز لما فيه من الفضيحة ونشر وإشاعة للرذيلة وتهوين لارتكابها والجرأة عليها فالمصور الناقل يبوء بإثم ذلك كله ويستحق العقوبات الشرعية والنظامية، وذلك بسبب غريزته السيئة في التطفل والتباهي الممقوت بالسبق في اكتشاف الأخطاء والزلات، 
ولا يخفى أن المراد هو ما كان سلوكا شخصيا سُجّل في حالة غفلة من المخطئ وليس ما كان المخطئ فيه مجاهرا ضاربا عرض الحائط بكل القيم والنظم وضاربا عرض الحائط بخصوصيته هو.

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من بعد حمدا وشكرا كما يحبه ربنا ويرضاه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وسيدا للثقلين أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين 
وبعد عباد الله ومن جرائم انتهاك الخصوصية تصوير المصابين في الحوادث المرورية والجنائية ونشر حوادثهم، فتلك جناية عليهم إذ هو استغلال لضعفهم تلك اللحظة وترويع لمجتمعهم ومحاولة دنيئة للظهور والشهرة وإشباع لغريزة التطفل على حساب أولئك المتألمين الذين لا يملكون له دفعا. 
انتشر قبل أيام تسجيل لحادث مروري مؤلم، لم يكن ألمه في مشهد الدماء المنسابة على المصابين فقط ولا في الجثث المرمية يمنة ويسرة فقط لم تكن في قسوة الحادث فقط 
بل في قسوة قلب المصور وموت إحساسه ومشاعره، فلا دين ولا ضمير لديه حينما صورهم وترك مواساتهم إذ عجز عن معالجتهم، ولا دين ولا قيم حينما نقل فعله الشنيع ذاك للناس أيا كان قصده ومهما كان تبريره، فالجرائم لا تبرر، وسقوط القيم لا يقيّم إلا بالسوء وموت المشاعر وتناسي اطلاع ومحاسبة الخالق جلّ وعلا. 
وحمدا لله ذلك التفاعل في ملاحقة المصور والسعي لمحاكمته ولعله يحظى بعقوبة تردع غيره. 
إن برامج التواصل تعد علميا مجالس افتراضية موازية للمجالس المعتادة وبالتالي فما يليق في المجالس المعتادة فهو كذلك في مجالس أعني برامج التواصل الاجتماعي، 
هذا وإن انتهاك الخصوصية جريمة تحاربها كل الدول وتجرمها كل الأنظمة وتسعى لحمايتها كل الجهات والمؤسسات المعنية بالتواصل الاجتماعي وهي من يساعد الجهات الرسمية في الوصول للجاني، فمنتهك الخصوصية لا قيمة له ولا حقوق له ولا مدافع عنه لأن الله تعالى هو من توعده بالهتك والفضيحة يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ} أبو داود وأحمد وصححه الألباني
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وألزمنا الهدى والتقى وارزقنا العفاف والغنى واجعلنا ممن أحبوك فأحببتهم وممن رضوا بك ربا فرضيتهم ورضيت عنهم وأرضيتهم. 
واعلموا عباد الله أن صلاتكم على نبيكم هي من وسائل شفاعته لكم وهي من وسائل صلتكم بسنته والثبات عليها وقد دعاكم للإكثار منها خاصة يوم الجمعة فلا تغفلوا عنها يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ، فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ. ويقول أيضا : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، وما أسعد من حظي بصلاة ربه عليه أي ثناؤه وبركته ورحمته ولن يثنى إلا على قريب محبوب. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
وارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم وعن التابعين ومن تبعهم وعنا وعن والدينا وأحبابنا معهم         اللهم أعز الإسلام والمسلمين انصر اللهم دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين
اللهم نستنصرك على كل رافضي وصهيوني مغتاظ من أهل سنة نبيك متربص بهم
اللهم إن بلادنا بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية بلد يفخر بعدم وجود مظاهر شرك معلنة تحت سمائه وبلد يفخر بتوحيدك وبسنة نبيك وبمحاربة الموبقات من المعاصي اللهم فمن أراد بهذا البلد فساد في دينه وقيمه أو في أمنه أو في أخلاق أهله ووحدتهم أو رغد عيشهم فرده بغيظه واجعل تدميره في تدبيره اللهم اكفناه بما شئت ورده عنا ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا لأحد من خلقك اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحبه وترضاه واجعله وولي عهده وسائر أعوانه من أسباب الهدى والتقى والسعادة لنا وللمسلمين اجمعين اجعلهم اللهم رحمة علينا وقنا وإياهم وأحبتنا مظلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. انصر اللهم جيشنا الذي يناصر إخواننا واحفظ وأعن المرابطين على حدودنا والقائمين على أمننا والمعتنين برعاية قيمنا وتعليمنا واجعلنا مقيمي الصلاة وذرياتنا وأعذنا وإياهم من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ومن كل فتنة مضلة ومن كل داء وعلة واجعلنا هداة مهتدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل