خطبة الجمعة 17 / 12 / 1438 عن الصيد وبعض أحكامه
الحمد لله الملك الغني الكريم البر الرحيم واسع الفضل والعطاء لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد عباد الله
فكثيرا ما نجد في كتاب الله تعالى وصيتين متلازمتين إن ورد المِنّة بالرزق { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } { وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } فتقوى الله في الرزق سعيا إليه وطلبا له وعملا به عبادة عظيمة ولا يقل الشكر لهذه النعم عن التقوى في درجة الإيمان، فالرزق أحد مقاييس الإيمان والتقى الدقيقة جدا.
وبما أنه يحلو للبعض ممارسة هواية الصيد ولأهمية التقوى وشكر المولى فيها فيحسن توضيح بعض القضايا المتعلقة ولن نحيط بكل الأحكام لضيق المقام ويجب على الممارسين للصيد الرجوع للكتب الشرعية للاستزادة .
وأول ما على المسلم معرفته في هذا الجانب هو أن يعرف فضل الله عز وجلّ الذي امتن عليه بتيسير أسباب الرزق له ومن جملة ذلك هذه الطيور التي تفد إليه من أصقاع الأرض المختلفة والقدرة على صيدها، ثم ليعلم بأن الصيد وإن ذكر أهل العلم بأنه أفضل مطعوم إذ لا شبهة في حِلّه إلا أنه قد ورد التحذير على لسان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الانسياق وراءه فقد روى الأئمة النسائي وأبو داود وأحمد عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال { وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ } فكثرة تتبعه والجري وراءه مدعاة للغفلة عن المصالح الدينية والدنيوية، وأصرح دليل على غفلة متبعي الصيد ومكثري الرحلات للتنزه قولهم بأنهم لا يتركون الصلاة حال رحلتهم، وكان الأجدر بهم التأكيد على أدائهم للصلاة جماعة وان صلاة الوتر والأذان والأذكار لا تفوّت ،
وكذلك لابد من رعاية حقوق الأسرة قبل المغادرة لأي رحلة أيا كانت، ثم ليتعرف المسلم على ما يحرم عليه اصطياده وما يحل له، فالأصل أن كل الطيور حلال إلا ما ورد نصٌ بتحريمه ومن ذلك ما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ e{عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ} متفق عليه، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضا قَالَ {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ} ابن ماجة وصححه الألباني، وما عدا ذلك فهو حلال إلا أن يكون من أكلة النجاسات.
ويجب الحذر من الصيد عبثا أو تدربا، فإن رمي ذوات الأرواح لأجل وزن البندقية أو التدريب أو العبث والترويح حسرة لفاعله! عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا، وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟ لَعَنِ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا} مسلم.
أما الإمساك للتربية والتجارة فمعلوم بداهة إباحته وأما الإمساك للتسلية فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ- أي طائر صغير يشبه البلبل - يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا فَقَالَ مَا شَأْنُهُ قَالُوا مَاتَ نُغَرُهُ فَقَالَ يداعبه ويسليه يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ} النسائي ومسلم.
فلم ينكر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم ذلك لما رآه من حسن معاملة الصغير لطيره. ويجب التسمية عند الرمي وعند إرسال آلة الصيد في كل مرة ولا يكتفى بالتسمية حين تجهيز آلة الصيد إلا في حالة النسيان فقط.
اللهم نسألك علماً نافعاً ورزقاً حلالاً طيباً مباركاً ومغفرةً لذنوبنا صغيرها وكبيرها ما علمنا منها وما جهلنا. ونسألك ربنا توفيقا وهداية لكثرة الاستغفار خصوصا هذه اللحظات
فلقد حدد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفة آلة الصيد التي تبيح المصيد فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ فَقَالَ إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ } مسلم.
فلا يحل الصيد إلا إذا كانت آلة الصيد تقتل المصيد بقطع رأسه أو بنفاذها في جسده وإسالة دمه، فأما إن كانت تقتله بثقلها كضربٍ بعصا أو رميا بحجارة أو النباطة ونحوها فهذا هو الموقوذ المنصوص على تحريمه في كتاب الله جل وعلا، إلا أن يدرك حيا فينحر، وفي هذه المسألة يخطئ البعض فقد يجد مصيده لم يمت بعد وهو قادر على نحره فيتركه حتى يموت فهذا يعتبر ميتة لا يجوز أكله أو قد يرميه مرة أخرى ببندقيته وهو قادر على نحره فهذه لا تعتبر ذكاة له، أما إن لم يجد ما ينحره به فلا بأس بقتله رميا بما يخرق جسده ويسفك دمه، أما قطع الرأس بالظفر أو السن أو عود يضغط به على رقبته لتنقطع ونحوه فليس تذكية ولا يصح،
وإن رمى طيرا فأصابه فوقع في ماء فإن علم أن رميته هي التي قتلته فلا بأس بأكله وإن غلب على الظن أنه مات بسبب غرقه في الماء فهذا ميتة لا يصح أكلها،
وكذلك يجب الاحتراز من دماء الطيور التي تخرج منها حين قتلها فهي نجسة لا تصح الصلاة فيما أصابته من ثياب ونحوها وإن عفي عن يسيرها الذي لا يكاد يرى،
ومما يحسن التنبه عليه هو حرمة الإسراف في الصيد فهذه جريمة بيئية، ونشرها والتباهي بها جريمة تربوية حيث تصنع القدوات السيئة ويزداد الإثم بزيادة المقلدين،
ثم لينتبه إلى مسألة إيذاء أهل المزارع ونحوهم ممن تفد الطيور إلى محّالهم فأذية المسلم حرام بأي حجة كانت، وكذلك تدمير النخيل برمي قلوبها وثمارها وأغصانها المورقة لأجل طير وقف مستريحا في ظلها، وليحذر حامل السلاح من ترويع أخيه أو حتى الإشارة إليه بالسلاح فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ} مسلم
عباد الله يجب أن تكون رحلات المسلم وترويحه عن نفسه أعمال تنقله من طاعة إلى طاعة لا أن تضيع عليه عبادة سواء عبادة رعاية النفس والاسرة أو عبادة الصلة بالله وغيرها من العبادات، ولتكن الطاعة شعار للمسلم أينما حل وارتحل لا يتبع خطوات الشيطان التي تتدرج به من التساهل في المباح لتصل به إلى المحرم، يجب ان نتفقه في الدين خاصة في ما تكثر ممارستنا له وكل ما نتعلق به ونُعرف به
تعليقات
إرسال تعليق