المتباهون والمتابعون لهم في السناب وغيره لستم من قارون وقومه ببعيد
الحمد لله العلي العظيم العزيز الحكيم نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله وإمام أنبيائه ورسوله وصفوة خلقه الهادي البشير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه مهتديا بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
وبعد عباد الله فاتقوا لله، اجعلوا من إيمانكم بوجود الله وإيمانكم بقرب الله ومن إيمانكم باطلاع الله ومراقبته عونا لكم على كسب رضا الله وتجنب سخطه، اجعلوه جلّ وعلا بين ناظريكم لتسلم لكم دنياكم وأخراكم ولتحل البركة والسعادة في داركم وفي كل شانكم.
عباد الله لقد أنزل الله تعالى كتابه العظيم هدى وبشرى للناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والتعاسة والشقاء واليأس والبؤس وتشتت الطرق والانتباه إلى نور الله حيث الصراط المستقيم حيث السعادة حيث الراحة حيث الأنس بنورٍ يكشف لصاحبه ماذا سيحل به غدا، أُنسٌ يجعله يرى الخير في كل ما لديه وكل ما حوله.
لقد اختار الله تعالى طائفةً من المؤمنين اختصهم بهذا النور فهم أهلُ الله وخاصته المتمتعون بنور الله في كل شؤونهم، أهل الله هم أهل كتابه الذين يتلونه ويعرفون ما أُنزل فيه من حِكم وأحكام وعِظات وتوجيهات وقَصص وأخبار فيكون ذلك لهم نبراساً في حياتهم، في القرآن عِبرٌ تتكرر لا تخفى ولا يصعب فهمها على أهل القرآن، والجاهل هو من يقرأها ويتخطاها لا يفهمهما ولا يتأثر بها ولا يقتبس منها أثرا في حياته. يقول سبحانه { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
واليوم نستعرض قصة من قصص القرآن الكريم،
قصة رجل ما كان مشركا بل كان مع قومه وعلى دينهم، كان ابن عم نبيهم مباشرة ولكن كان مغرورا يريد لنفسه شيئا من المكانة الدينية نظرا لعلمه بأصول دينه إضافة لكثرة أمواله ولكن نور الإيمان لا يناله من في قلبه خُبث وسوء. حديثنا عن قارون ابن عم موسى وهارون، لمّا لم يتحصل على المكانة الدينية التي يطمح إليها وكان ثريا ثراء فاحشا عالج ذلك النقص بالتباهي بما لديه من زينة ومال فبنى بيتا هو آية في البذخ والترف في زمانه،
ولما قيل له اتق الله في هذا المال قال إنما هو مال وهبنيه الله بسبب ما لي من حظوة عنده فلا خوف عليّ! كان يتوهم أن له الحق في ذلك الإنفاق والتباهي متوهما أنه يتحدث بنعمة الله عليه،
وكان هناك من يدافع عنه بأن هذا نعمة من الله له أن يتمتع بها ولا يحرم نفسه ولا أسرته منها،
وكان الناصحون يحذرون ويحذّرون فهذا سلوك مشين يجلب سخط الله مقته، حتى جاء ذلك اليوم العظيم وقد خرج على قومه في زينته لبس وألبس حاشيته من أجمل وأبهى الملابس وخرجوا في دوابّ قد زُينت بأصباغ وحلل ملونة زاهية، زينة تتقطع لها قلوب البسطاء
{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ() وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ() قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ() فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ() وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ() فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ() وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ() تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين وبشارةً للمؤمنين وإماماً للمرسلين وخاتماً للنبيين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
وبعد عباد الله حكي الطبري في تفسيره عن إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَشِيَّةً، وَإِذَا هُوَ فِي ذِكْرِ قَارُونَ، قَالَ: وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِهِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} قَالَ: فِي ثِيَابٍ مِثْلَ ثِيَابِ هَذَا.
يا ترى لو أن مالكاً بيننا وهو يرى أصحابَ الأموالِ يتباهون بطعامهم وشرابهم ومراكبهم ومنازلهم وكل ما يملكونه مما يعلمون حرقةَ قلوبِ الكثير عليه، لقد ابتلينا ببرنامج السناب وبطغاة يتباهون فيه وسذج يشجعونهم على التباهي.
إن لقارون مجموعة من الجرائر والجرائم العظيمة ولكن ما هي الجريرة التي اقترفها فكانت سببا لهلاكه ؟ إنها الخروج على قومه في زينته، لم يكن كافرا بل كان كما يقول بعضهم اليوم يتحدث بنعمة الله عليه، خرج متباهيا ليرى الناس نعمة الله عليه.
إن التحدث بنعم الله الذي لا يزيدُ المتحدثَ ولا المستمعَ المشاهدَ قرباً من الله فإنما هو كفر بنعمة الله وليس شكرا وسبب لمقت الله وسخطه مهما زينوا فعلهم وبرروه وبرروا له يقول تعالى { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }
لكل متباهي فخور بنعمة الله، نقول له:
ويلك ثواب الله خير لمن آمن
ويلك لقد أهلك الله من قبلك من هو أشد منك قوة وأكثر جمعا،
ويلك من مصير من شابهت وقارنت.
ولكل متابع للمتباهين نقول لهم :
ويلكم لقد أهلكتم الطغاة بمتابعتكم لهم وبتهويلكم لما يظهرونه لكم ،
ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ولا يلقاها إلا الصابرون،
ويحكم إن العاقبة للمتقين وليست للمتباهين.
لا تنتظروا كارثة بأحد لتقولوا ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لولا أن منذ الله علينا لخسف بنا.
نقول للجميع استمع لقول الله تعالى يقول ربنا جلّ وعلا { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى }
وتأمل جيدا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أبي كَبْشَةَ الأنماريّ رضي الله عنه؛ أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ثلاثٌ أُقسِمُ عليهن، وأُحدِّثُكم حديثاً فاحْفظوه، قال:
ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ،
ولا ظُلم عبدٌ مَظلمةً صبرَ عليها إلا زادَه الله عزًّا،
ولا فَتَحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عليه بابَ فقرٍ،
وَأُحدِّثكم حديثاً فاحْفظوه: إنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ،
عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ،
وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ. أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني.
فاتقوا الله وراقبوه وتقربوا إليه بالتزام سنة نبيه وتقربوا إليه يمجانبة مسلك من سخط الله عليه وعاقبه. وتقربوا إلى الله بكثرة الصلاة والسلام على حبيبه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين .
تعليقات
إرسال تعليق