خطبة الجمعة ما بين جريج وبرامج التواصل وعقوبات لا نشعر بها

الحمد لله المبدئي المعيد الفعال لما يريد غافر الذنب وقابل واسع الفضل، رحمته سبقته غضبه ووسعت كل شيء من خلقه أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام أنبيائه ورسله وخاتمهم الهادي البشير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
 فاتقوا الله وتقربوا إليه بصالح العمل يقرّبكم ويرضا عنكم ويرضيكم. 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ تَدْعُوهُ فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي فَقَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَرَجَعَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ قَالَ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ قَالَ فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ فجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ فتبسم فَقَالَ أَيْنَ الصَّبِيُّ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ فُلَانٌ الرَّاعِي قَالَ فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُوا نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُوا} متفق عليه
من فضل الله علينا أن الجنة ومنازلها العالية أقرب إلينا مما نتصور ولكنها كذلك قد تبعد عنا بأسهل مما نتصور، 
من فضل الله وكرمه أن مغفرة الذنوب والخطايا ودخول الجنان لا يتطلب منا ما فعله جريج رحمه الله ولا أمثاله من أهل الكتاب ممن سبقونا بل يتطلب منا الامتثال لقول الله تعالى { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ () أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } 
قال ابن القيم: بلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال إلى أربعين سنة، وقال ابن كثير: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ أَيْ قَوِيَ وَشَبَّ وَارْتَجَلَ. 
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَيْ تَنَاهَى عَقْلُهُ وَكَمُلَ فَهْمُهُ وَحِلْمُهُ. 
هذه الآية تتحدث عن العبادة والقربة وشكر النعم السابقة واللاحقة من خلال مخالطة الآخرين وخدمتهم، بدءا بالوالدين في حياتهما وبعد مماتهما، فالوالدان هما وصية الله لعباده والإحسان لهما عبادة من ثمارها أنها تهب صاحبها حسنَ الحياة في كل تفاصيلها، وبوعد الله فلن تتشوه حياة محسن لوالديه ومن أساء في فترة ما فالمجال لازال مفتوحا للإحسان فالله تعالى يقول { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً } 
ومن بداية النضج الفكري وحتى الاكتمال يكون المرء قد حصّل خبرة ومالا وعلاقات اجتماعية عليه أن يوظفها لتحقيق رضا الله تعالى بمعنى يستمر في حياته نشطا لا ينعزل عن الناس يخالطهم ويحسن إليهم ويدخل البسمة عليهم بما وهبه الله مما حصّله من خبرة وعلاقات وغيرهما، ومن اشتد فكره وعقله أدرك قصوره عن إصلاح أسرته فيستعين بربه داعيا بصلاحٍ في ذريته وأهله حتى يكون الصلاح راسخا فيهم لا ينفك عنهم، ويجدد التوبة لربه في كل لحظة مستغلا كل عمل تيسر له يتب من خلاله، مسلما كل لحظاته وكل طاقاته وكل شهواته وأمنياته لله تعالى، مستجيبا لندائه ما استطاع لذلك سبيلا. يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ} البخاري. جعلنا الله وأحبتنا من المنعمين بنعيم الجنان في حياتنا وبعد مماتنا 





الحمد لله ذي الفضل والعطاء يغفر الذنب ويقبل التوب ويقرّب المتقرب ويزكي من طهّر قلبه وصفت سريرته والصلاة والسلام على من كان القرآن خلقه وكان البِشرُ سمته وكانت التوبة خلقا له وعلى آله وصحبه ومن تبعه متخلقا بخلقه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
في طريقنا نحو الجنة علينا الحذر من عقوبات الله التي تمر بنا والتي نعاقب بها!! 
و يا ترى أتمر بنا عقوبات نعاقب بها ولا نشعر؟ للأسف نعم وما أكثرها، 
فجريج العابد عوقب عدة عقوبات لم يشعر أنها عقوبة، 
إعراضه عن والدته عقوبة وحرمان من عبادة مع أنه قدم الصلاة عليها، 
غضب أمه عليه عقوبة، 
دعاؤها عليه عقوبة، 
الاستجابة لدعائها عقوبة، 
جرأة البغي عليه عقوبة، 
حضور البغي لمقره عقوبة، 
نظره إليها عقوبة، 
تسلط السفهاء عليه عقوبة، 
وكل هذه العقوبات لم يشعر أنها عقوبة فلما ضربوه وهدموا ديره ذكر أمه وتذكر دعوتها فإذا هو ظالم لنفسه فتاب، فتاب الله عليه وأظهر للناس صدقه. 
النظر للمومس بحد ذاته عقوبة، والمومس هي البغي الفاسقة وبمزيد من الأسف فإنها هي التي تتعرض للناس تتعرض لهم في الطرقات حينا وفي التلفاز أحيانا وفي برامج التواصل من تويتر وواتس أب وفيس بوك وغيرها دوما، 
ونوهم أنفسنا بأننا ما لنا دخل هي اللي عارضة نفسها ما دورناها وننسى أننا مطالبون ومأمورون بغض البصر. 
فكل من وقعت عيناه على صورة لبغي مواجهة أو من وراء شاشة فمنحها اهتماما فليعلم بأن تلك النظرة وذلك الاهتمام عقوبة وإن تمتع بها، 
وبالطبع فليست كل امرأة تخرج في الطرقات أو تلك البرامج كاشفة وجهها بغي، إذ البغي هي التي تعرف بالبغاء أو يظهر عليها ما يدل على البغاء، 
وقد يقول قائل ساخرا على هذا فكل لحظة نحن نعاقب. 
نعم كل لحظة نقع فيها في محرم فنحن نعاقب، إذ الوقوع في المحرم نظرا أو قولا أو سماعا أو عملا هو عقوبة وحرمان بحد ذاته فضلا عن العقوبة المترتبة عليه، كما أن فعل الطاعات ثواب ونعمة بحد ذاته فضلا عن الأجر المترتب عليه، فمن وقع في عمل محبوب فهو مُنعّمٌ مرضي عنه محبوب بهذا العمل قبل أن يأخذ ثوابه، ومن وقع في عمل مكروه فهو مبتلى معاقب بذلك العمل قبل أن يعاقب بالحساب عليه، 
فلنستشعر هذا الأمر ولنعد له توبة واستغفارا، يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ }.
التوبة والاستغفار لمائة مرة في اليوم سنة المعصوم عليه الصلاة والسلام فما بالك بحاجة من ليس بمعصوم. 
عباد الله خذوا العبرة من قصة جريج وادرسوها بتوسع فستجدون حكما عديدة إذ المقام لا يتسع لذكر ما يراد ذكره منها، وأحسنوا لوالديكم ما دمتم أحياء لا تقدموا حتى العبادة غير المفروضة على الاستجابة لهما وتأملوا فأفضل المعروف هي ابتسامة تدخلونها عليهما وعلى غيرهما واستغلوا نعم الله عليكم من خبرة عملية أو علمية أو جاه أو مال للتقرب إلى الله وكسب رضاه بشكر هذه النعم من خلال خدمة من يحتاجها واعتنوا بصلاح أنفسكم وأسركم واستعينوا بالدعاء لمولاكم أن يعينكم في ذلك كله، واستشعروا عِظم وكثرة الذنوب والعقوبات التي تمر فأكثروا الاستغفار ، ولنكن عونا لبعضنا على الاجتماع في جنات النعيم فإنها أقرب إلينا مما نتصور وابتعادها أسهل مما نتصور ولنكثر من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد في كل أحوالنا    
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى ىله وصحبه ومن والاه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل