خطبة الجمعة كالبنيان المرصوص

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم العزيز الحكيم يحكم لا معقب لحكمه ويتفضل لا رادّ لفضله يدبر الأمر وهو الولي الحميد أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين له المقام المحمود واللواء المعقود والشفاعة العظماء للخلائق جمعاء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
 فاتقوا الله وأطيعوه واستعينوا به سبحانه على تحقيق مرضاته وسلوه من فضله قوة في الإيمان وزهدا عن الحرام وكسبا لما أحب ورضي من الأقوال والأعمال. 
عباد الله امتاز ديننا الإسلامي بأنه محيي لدين إبراهيم الخليل عليه السلام وأنه متمم لمكارم الأخلاق الإنسانية التي تخلق بها الناس قبله وأنه لم يأت بجديد يذكر اللهم إلا رحمة ورفعا لكثير من الحرج والأغلال التي كانت على من قبله يقول عز وجل { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }  { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } 
ومن أسس الملة الحنيفية بعد توحيد الله تعالى مكارم الأخلاق عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ} أحمد والحاكم وصححه الألباني. 
فالتوحيد والأخلاق الحسنة فطرة في النفس الإنسانية و وما من مولود إلا ويولد على الفطرة. وإن من الأعمال التي أحبها الله تعالى وجعلها حبلا منه سبحانه لمساعدة مخلوق ضعف عن خلاص نفسه وفطر الناس عليها وعُرِف بها العرب قبل الإسلام هو الخدمة الاجتماعية التطوعية. 
عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ, وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ, وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ.... الحديث} الطبراني وصححه الألباني. 
ذلك لأن المؤمن بهذا السرور الذي يدخله على قلب أخيه المسلم إنما يرص بنيان الصف الإسلامي ويشد ما وهن منه وما تداعى، يغلق على الشيطان وعلى العدو مداخل لإفساد الحياة الاجتماعية للمسلمين عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَأَدْخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ} أحمد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني. 
والبنيان المشدود لا تجد فيه ثغرة ظاهرة إذ الثغرة في البنيان تشوهه وتوشك أن تسقطه، هذه الثغرة المُصدّعة للبنيان الإسلامي الجميل هي الإعراض عن مسلم ترى أنه في حاجة إليك ، حاجة في رأي أو في شفاعة أو في إنجاز معاملة أو أنه في كربة ما ولا طاقة له بها فتفزع له مبادرا بعرض ما لديك تنبيها وتحذيرا وتخليصا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ} مسلم
وحدة متكاملة شركاء الفرح وشركاء الحزن، مشاعرهم واحدة وإن اختلفت مواقعهم قربا أو بعدا من ذلك الخير الذي أفرح أو ذاك البلاء الذي أهمّ وأحزن. البنيان المرصوص مظهر إسلامي مجيد واجب على كل مسلم العناية به وتحمل بعض ما تكره النفس لأجل سلامته ونصاعته وما جعلت الابتسامة صدقة إلا لأنها تفتح القلوب لبعضها وتشد من أواصرها وبذلك يرص الصف الإسلامي الذي هو السمة الرائعة للمسلمين، ومن حب الله تعالى لهذه السمة الجميلة أن جعل الصف المرصوص في الصلاة وحين القتال سببا للقبول والرضا واستجابة الدعاء.

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه وأشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله نبي الله ورسوله للثقلين كافة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فإن التسبب في شق الصف جريمة لا تغتفر إلا بتكفير آثارها السيئة قدر المستطاع. والظهور بمظهر الخصم الكاره ونشر شائعات وأكاذيب تنفر الناس من بعضها وترجف القلوب على مستقبلها صفة للأعداء وليست لذوي القربى وهي تشوه الإيمان تنقصه وقد تحبطه بحسب آثارها، ولا تحقرن من الشر شيئا فمعظم النار من مستصغر الشرر. في سوريا في اليمن في ليبيا في العراق كوارث إنسانية لا حصر لها ولا وصف لها كلها بسبب عدم المبادرة لسد الثغرات الصغيرة التي ظهرت في الصف الإسلامي في البنيان الذي كان مرصوصا، تركت حتى كبرت وتخرق البنيان، وإن كان البنيان ثقة بالله تعالى سيعود أفضل إلا أننا يجب أن نأخذ الدرس جيدا. 
تأمل كيف تعمل الدول المعادية على شق الصف في بلاد تكره الخير لها بالتدخل في شؤونها وزرعة الفتنة بين أهلها كما يفعل الصهاينة وكما تفعل إيران ببلاد المسلمين المختلفة، ولكن الله بالمرصاد لكل ظالم ولكل مفسد والله مع كل مؤمن يدافع عنه وينصره، ومن الإيمان محاربة تلك التدخلات وعدم السماح بشق الصف. انظر كيف تسبب الانقلابيون في اليمن بشقهم الصف في زعزعة اليمن وتدهور المعيشة فيه، وانظر لجهود التحالف العربي لإعادة بناء ذلك البنيان اليمني كما كان وأفضل فالأمة لن تعدم خيّرا يقوم بإصلاح ما أفسده المفسدون. إن الخدمة التطوعية لسد حاجة الناس وزرع الأمن في نفوسهم فطرة فطر الله الناس عليها لا يتركها إلا من تغيرت فطرته وهي مما يدخل السرور عليهم ويرص بنيانهم ويشد من أواصر مجتمعهم ويحلب رضا الله لهم فتفقدوا إخوانكم واكتشفوا آلامهم وإن ظهرت ابتساماتهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} مسلم. 
ادرأوا الشر عن المسلمين بدعائكم لهم وبإسكات المغرض الذي في كل مجلس يبث الهمّ ويكثر الشكوى ويجلب الغمّ والمرض لمن يجالسه، وبنشر الثقة في الله وقربه ورحمته ورأفته بعباده فالله عند ظن عباده به.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل