خطبة الجمعة تقوى الله في رمضان
الحمد لله مالك الملك رب الأرض والسماء وما بينهما الحمد لله ذي المنّ والعطاء الحمد لله خلق الموت وقلّب الليل والنهار ليبلو الناس أيهم أحسن عملا أشهد أن لا إله إلا هو رب العرش العظيم لا رب لنا نرجوه سواه ولا معبود لنا ندعوه سواه وأشهد أن محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله وصفيه وخليله النبي الأمي المبعوث رحمة للعاملين وبشيرا للمؤمنين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد عباد الله فلقد ختم الله كتابه العظيم بقوله تعالى { وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } هذه هي آخر آية أنزلت في كتاب الله وصى الله بها نبيه قبل وفاته بتسع ليال، هي الوصية التي يجب ان تكون حاضرة بين أعيننا وأن تكون هي وصيتنا لأحبتنا،
ذلك أن الوصية بتقوى الله علامة حب من الموصي للموصى له، فتقوى الله قد يرى فيها البعض لجهله حرمانا من فرص الحياة بينما يراها المؤمن فرصة لنجاح أكبر، لأن فيها اختبارا لإرادته واختبارا لجلَده وفيها عزةً لنفسه وترفعا عما لا يليق به ومن ورائها وعدا ربانيا بالفوز ، فقد وعد الله على التقوى مخرجا من كل ضائقة ورزقا لا يحد ولا يعد ولا يخطر على بال في كميته ولا يخطر على بال في طريق ووقت حلوله،
في تقوى الله سعادة قلبية لا تغلبها مكدرات الحياة وفواجعها،
في تقوى الله خير كثير لمن اتقى الله أهمها جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا،
في تقوى الله رضا الله عن المتقين ورضاهم هم عن ربهم جلّ في علاه،
بتقوى الله تكن ولاية الله { إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
بالتقوى يكن الله مع المتقين يرعاهم ويحفظهم ويدافع عنهم { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }
إن تقوى الله نعمة ومنّة من فاز بها فاز بالخير ألم تعلم أن المتقي هو أولى الناس بالنبي؟
عن معاذ لمَّا بعَثه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى اليَمنِ خرَج معه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يوصِّيه - معاذٌ راكبٌ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تحتَ راحلتِه - فلمَّا فرَغ قال: يا معاذُ إنَّك عسى ألَّا تَلقاني بعدَ عامي هذا لعلَّك أنْ تمُرَّ بمسجدي وقبري، فبكى معاذٌ خَشَعًا لفِراقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ التفَت صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحوَ المدينةِ فقال: إنَّ أهلَ بيتي هؤلاءِ يرَوْنَ أنَّهم أَوْلى النَّاسِ بي وإنَّ أَوْلى النَّاسِ بي المتَّقونَ مَن كانوا وحيث كانوا} رواه أحمد.
لذلك كله كانت الوصية بتقوى الله هي وصية المحب لمن أحب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما يوصي أحبته ويدعو لهم تقوى الله: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي. قَالَ: زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ قَالَ: زِدْنِي، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ} حديث صحيح رواه الحاكم والترمذي.
عباد الله ماهي التقوى التي تجعلنا في هذه المنزلة العلية عند الله وعند أنفسنا؟ التقوى هي من الوقاية وقيت الشيء أي صنته وسترته وحفظته فالمتقي يصون نفسه عن المحرمات ويحفظ جوارحه عن الاقتراب منها يتخذ العمل الصالح سببا لستر نفسه عن العذاب وعن كلمة السوء أن تقال فيه. يقول بعض طلبة العلم أن أفضل تعريف شرعي للتقوى هو ما ذكر سماحة الشيخ عبد الله العزيز بن باز رحمه الله حيث يقول: تقوى الله سبحانه، هي عبادته، بفعل الأوامر وترك النواهي عن خوف من الله وعن رغبة فيما عنده، وعن خشية له سبحانه، وعن تعظيم لحرماته، وعن محبة صادقة له سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
عباد الله ها هو شهر الصيام شهر اختبار التقوى يطل علينا باسما مرحبا يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }. والتقوى لا تخفى هي ظاهرة بيّنة على العبد تظهر في تعظيمه للشعائر الظاهرة { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } جعلنا الله من أهلها ووفقنا للعمل بها ومنّ علينا بثوابها .
وبعد عباد الله في شهر الصيام تكون التقوى في أعلى مستوياتها لدى المؤمنين، حيث تظهر التقوى في استحضار عظمة الله الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله والذي خلقنا لعبادته وخلق الجنة والنار جزاء لنا، عظمة الله التي جعلتنا من خير الأمم وجعلتنا قادرين على العمل والتي فضلتنا بهذا الدين على غيرنا،
تظهر التقوى في احترام الزمان فلرمضان خصوصية خاصة جدا عند الله تعالى، حينما يصوم زوجان في شهر من الشهور ثم يفسدان صيامهما بالجماع يقال لهما اقضيا يوما بدل ما أفسدتما أما لو كان صياما في رمضان قيل عليكما صيام شهرين متتابعين وأي دلالة على التعظيم أبلغ من هذا؟
يظهر التعظيم في تعظيم النظر المحرم والسماع المحرم والحديث المحرم وفي اجتناب كل ما يقرّ لذلك المحرم تعظيما لحرمة الزمان،
تظهر التقوى في رعاية الوقت واستثماره في استخراج كنوز رمضان، فرمضان بليله ونهاره كنز عظيم سوق رائجة مزدهرة عامرة للكل ان يأخذ ما يشاء بلا حساب فقط تقدم وخذ، اتل القرآن ستجد روحا تعينك ستجد أناسا معك ستجد ملائكة تستمع لك ستجد خالقك العظيم قد نصب وجهه العظيم تجاهك رضا بما تصنع ستجد حسنات تتضاعف لك،
فالشهر شهر القرآن والصيام، صل صم تصدق زُرْ قريباً أو كلّمه ادعه له وليدع لك ستجد كل ذلك عند ربك بل ستجد ربك معك وملائكته،
من صور التقوى في رمضان التقوى في رعاية الاسرة في صيامهم وصلاتهم الفرائض والنوافل، نعينهم نهيئ الفرص لهم نضع المحفزات لهم نزيد لمن أحسن منهم في صلاة أو تلاوة أو صيام أو أي عمل بِرٍ وخير، ولئن كان الصغار يحفزون بالوعود فالكبار يحفزون بالدعاء المسموع، ادع لهم وأسمعهم دعاءك لهم بالعون والقبول والرضا وتيسر الأمور،
في رمضان مجال للتقوى من خلال إعانة الاخرين على تقوى الله بما يظهر منك من تعظيم للزمان وبما يرونه منك من مشاركة لهم المكوث في المساجد وكذلك بإعانة أئمة المساجد والمؤذنين على رسالتهم بدعمهم من خلال دعوة لهم وحضور معهم في الفرائض والنوافل وتنبيه لما يرى من خلل وتقصير فكل من أثّرت فيه بقولك أو عملك فلك مثل أجره.
في رمضان تقوى لله تعالى في هذا الوطن فنحن نستقبل رمضان ومساجدنا تتهيأ لنا والأمن والسعة تحف بنا، نستقبل رمضان في ظل أحداث لا ندري عن صدقها، في ظل فتن تغذى من قبل أهل الشر، فمن نأى به الله وصانه عن الشر بالبعد عن التأثير والقرار فلينأى بنفسه عن الشر وليحفظها وليحفظ صيامه عن تغريدة او كلمة تنمي الشر ولا تقدم خيرا، الوطن بهذه الصورة نعمة عظمى يجب ان تشكر ولا تكفر،
واعلموا أن رمضان موسم عظيم يجب ان يُعظّم ولن يُعظّم رمضان من جهل سنة نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام في رمضان فأقرئوا عنها، وأسوء منه من علم السنة فتركها بحجة الكسل والترفه مخادعا نفسه بقول الله المستعان نعم الله المستعان به نستعين على أنفسنا ونستعين به في كسب رمضان ونستعين به على الإقدام على الخير لا على التهرب منه.
تعليقات
إرسال تعليق