طوبى لك إن كنت مفتاح للخير

في مثل هذه الفترة الحرجة من التاريخ يكون لكل منا دوره في مجريات الأحداث صغيرها وكبيرها ، يكون لكل منا دوره في براءة الذمة وإنقاذ الأمة ، وذلك بكلمة يقولها أو ينقلها يحث بها على خير أو يحذر بها من شر ، ولسنا بحمد الله مسئولين عن إبلاغ الناس كافة بل مناط بنا إبلاغ من هو تحت أيدينا ومن هو يجلس معنا ومن يُقبل علينا للسماع منا، نفتح لهم ما نؤمن بأنه باب خير ونغلق دونهم ما نتوجس الشر منه، لنكون من خير الناس في زماننا. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ} ابن ماجة. 
الإنسان بطبعه ضعيف جهول لا يعلم أكثر مما يقع تحت سمعه وبصره إلا بمساعدة إخوانه الذين علموا دين الله وأدركوا بخبرتهم تجارب الحياة فهم يرشدونه لخير يعلمونه ويحذرونه من شر يتوقعونه، خير يجهله وشر لا يدركه ولا يتصوره حتى لا يندم حيث لا ينفع الندم ، فإن استجاب فرح الجميع وإن عاند وركب هواه برئت الذمة منه وتحمل هو جريرته.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام إن من الناس مفاتيح للخير وإن من الناس مفاتيح للشر، مِن هنا تبعيضية أي بعض من الناس، ولكلٍ سيماهم قولا وعملا ومظهرا فعليك أن تعرفهم ، فمفاتيح الخير لا يخفون ، الخير منهم ولهم وهم أهله ورعاته ينطقون بالخير وإلى الخير يدعون وعليه يحثون، إذا رأيتهم رأيت الخير في ملامحهم ووجدت الخير في منطقهم وعدت من لقائهم بخير يسعدك في كل شأنك، متفائلون ينشرون الفأل الحسن ويعينون على صالح العمل يصححون الأفكار الخاطئة وبمجالسهم تزول الهموم وتسكن النفوس وتتفتح مجالات خير كانت في الذهن مغلقة، يغلقون الطرق على الشر فلا يصل للناس، من خلالهم لا يجد الشر له موطأ قدم في أرضهم، أولئك هم خيار الناس وأشرافهم هم الذين لهم الحسنى في الدنيا وفي الآخرة فطوبي لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وطوبى لمن حاز رفقتهم وحظي بنصائحهم. الخير هو ما ينتج رضا الله تعالى عن العبد من عقيدة صافية لا تقبل لله ندا ولا شريكا وتدفع لتعظيم الله، الخير هو عمل صالح يحبه الله ويرضاه يفرح المسلمون بخبره وبأثره، الخير هو حب الخير للآخرين، الخير هو العيش بعيدا عن التشاؤم والتذمر والإساءة للآخرين، بمستوى الخير الذي يحمله القلب ويعيش فيه تتسامى النفس عن الغل والحقد والحسد وتتباعد عن أذية الناس في أموالهم وفي دمائهم وفي أعراضهم، صاحب الخير ومفتاحه يحب الصالحين الذين بان نفعهم وثبت في قلوب الناس حبهم. فهم مفاتيح للخير بهيأتهم وبمنطقهم وبنتاج قولهم وعملهم هم قدوة للخيرين ودلالون على الخير ولهؤلاء جاءت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بطوبى وهي تعني الحسنى وطيب الحال والمآل وتعني شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. 

ولأهل الشر ومفاتيحه علامات فهم ما بين مستبيح لأموال الناس أو لأعراضهم أو لدمائهم أو ساع لإفساد أخلاقهم، لا تجد في دعواتهم إلا تحقيق هوى في أنفسهم وسيرا وراء شهواتهم الشيطانية ، وفي هؤلاء جاء وصف النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الشر بقوله لحذيفة: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قَالَ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا } البخاري.
 ولكي يكون الإنسان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فعليه ألا يكتفي بالاستقامة في ذاته بل عليه أن يقدم خيره لغيره، وأهم ما يقدم من للناس في هذا الزمان من خير هو الفكر الخيّر الذي يقود النفس في متاهات الجهل والظلام والضلال، فإنفاق الفكر والعلم خير من إنفاق الذهب والورق، خير للمنفق وخير للمنفق عليه، يقدم الفكر الخيّر بطيب القول وسماحة النفس وأدب الحديث ليكون أكثر وقعا وقبولا فهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام الذي هو رحمة للعالمين، كان ينبوعٌ يفيض بالخير والرحمة ويتدفق بالنفع والبركة، يفعل الخير ويدعو إليه ويبذل المعروف ويدل عليه، فهو مفتاح للخير مغلاق للشر. متى ما كنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ومتى ما جالسنا مفاتيح الخير مغاليق الشر سنجد في مجتمعنا السكينة والعمل الصالح والإنتاج النافع وقبل أن نجده في المجتمع سنجده في بيوتنا ومع أسرنا،  عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: عِنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ} الطبراني وحسنه الألباني. 
عباد الله في زمن فيه النفوس متوترة قلقة والأعداء متوثبة متطلعة للانقضاض على البلاد وأهل الفساد صار لهم صولة وجولة ونشر الكلمة صار بيد كل أحد ، فعلى كل منا أن يكون حذرا فيما يقول وفيما ينقل عسى ألا يكون في عمله فتحا لباب شر على العباد، حري بنا أن نحمل مفاتيح الخير وأن نعمل على إغلاق أبواب الشر وأن ننصح بكل ما فيه صلاح الحال والمآل وأن نعتني بالدعاء وننتق مما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه او دعا به لنا. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل