صنائع المعروف وأثرها في بناء المستقبل
الحمد لله الولي الحميد العزيز الحكيم يتولى الصالحين برحمته ويغدق على العالمين فضله ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وصفيه وخليله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه مهتديا بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله ان الله كان عليكم رقيبا، اتقوا الله فان الله بما تعملون خبيرا، اتقوا الله فان لله ملائكة يستنسخون ما تقدمون ويكتبون آثاركم بعدما تموتون، اتقوا الله فان الله مع المتقين يحفظهم وهو مع الظالمين مطّلعا على مكرهم اذ يبيتون مالا يرضى من القول.
عباد الله كلنا نتطلع للمستقبل نخاف منه ونخاف عليه، نرجو أن يكون لنا خيرا مما مضى ونوقِنُ أن الابتلاء حق لابد وأن يعترضنا، لابد أن يكدرنا عارض من عوارض الحياة، فالله تعالى قد بيّن لنا أننا خلقنا في كبد أي في مكابدة للمشاق وأن الابتلاء لابد أن يصاحبنا في حياتنا، ابتلاء بما نحب أو بما نكره. وهذا التوجس بالخطر يوجب علينا الاستعداد وأخذ الحذر، ومما يستأنس به في هذا الأمر أمرُ تأمين المستقبل ودرء المخاطر قول النبي صلى الله عليه وسلم : صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ .
فأمّن مستقبلك عبدالله بصنائع المعروف، سينزل بك ما تحب وما تكره فلكي تنتفع بما تحب وليخف عنك وطأة ما تكره فلا يضر، عليك بصنائع المعروف. صنائع المعروف حماية للمستقبل وهو أمر تعارفت عليه البشرية وفُطرت عليه، ألم تر كيف طمأنت أمنا خديجة رضي الله عنها نبينا وحبيبنا وسيدنا حينما جاءها فزعا بعد نزول جبريل عليه السلام عليه؟ لقد بشّرته مقسمة أن الله لن يخزيه وذلك بسبب صنعه للمعروف قالت: كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
هذا الشاعر يستدرج عطف الخليفة بقوله
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ *** لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
تأمل قصة الأب الصالح فبصلاحه حُفِظ مستقبل ولديه { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } وتأمل قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار كيف فرّج الله عنهم الصخرة التي انطبقت عليهم بصنائع المعروف التي قدموها. فرعاية لمستقبلك عليك بصنائع المعروف مخلصا فيها النية بأن تكون معروفا لا ثمن له وستأتيك الثمار يانعة وان طال الأمد ستأتيك وإن وجد شاذّ منحرف الفطرة لا يرى لأهل المعروف معروفهم، فعامة الناس هم أهلُ صدقٍ ووفاءٍ وأهلُ فضلٍ يردون الفضل لأهله متى ما تيسر لهم الرد، والله جلّ في علاه حافظ لك ما قدمت وإن نسيه الناس حافظه سبحانه لك وإن نسيته أنت. فاصنع المعروف ولا تترقب له ردا ولا تنتظر بسببه شكرا وستفرح بأثره حين تصنعه، وستفرح به حين يأتيك خبره، وستفرح به حين تنزل بك المكاره فلا تضرك، وستفرح به حين تفتح سجلك بين يدي ربك جلّ وعلا فيسرك ما قدمت وتبهجك آثار ما قدمت.
ما هي صنائع المعروف؟
هي جمع صنيعة فيكثر المرء صنع المعروف منه حتى يُعرف به، حتى يُعرف بأنه محب للخير يلجأ له المحتاج للخير الذي عنده، يبادر للخير متى ما طلب منه بل وقبل ان يطلب فبمجرد معرفته بحاجة القادم يبادره حتى لا يحرجه. وأعظم وأفضل ما يقدم من معروف، ابتسامة تلقى بها أخاك، تحادثه وهي تعلو محياك، فالابتسامة حاجة بشرية لكلا الطرفين إذ هي أهمّ ما يكافح به الآفة القاتلة للإنسان آفة الهمّ. ثم مساعدة له بما يحتاج فإما نصيحة ورأي ومشورة والتي هي أهم من دفع المال ذلك أن المال يُستهلك فيضيع وأما الرأي فيبقى يكافح به كل مُعوّق يعترضه وكل صعوبة تنزل به ، وأمثلة المعروف كثيرة متعددة لا تحقرن منها شيئا ففي الحديث عَنْهُ ِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه اتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي}.
وما هي مصارع السوء التي تقي منها صنائع المعروف؟
هي كل مصرع يشمت الناس بالمصروع بسببه كالنهايات التي تحدث كعقوبات إلهية أو عقوبات قضائية أو نتيجة ملاحقات أمنية أو خاتمة على جريمة سلوكية فيتوارى أهل الميت من الناس حياء من بسبب سوء الخاتمة، ويتحرج الناس من الحديث عن ذلك المصرع عند أهل المصروع كراهية إحراجهم، ويتعوذ الناس من مثل ذاك المصاب من سوء ما وصف به. وفي الحديث أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة نسال الله أن نكون منهم ونعوذ به سبحانه من ميتة السوء
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى هو سبحانه على نفسه وأصلي وأسلم على خير المرسلين سيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فنظرا لأن الحسد والحقد قد ينشأ في بعض النفوس ويتمكن منها فللتحذير قبل الصدمة قالت العرب تحسبا لردود الأفعال غير المتوقعة قالوا: اتق شر من أحسنت إليه، وقالوا: أساس كل عداوة صنع المعروف إلى اللئام، وقالوا: إذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمردا. فنكران الجميل وارد بقوة ولكن الناكرين شواذ البشرية وإخوان الشياطين ستعرفهم بعد انتهاء حاجتهم، ولن يصدوا بسوء أخلاقهم المسلم عن صنع المعروف ديانة وفزعة وحبا للخير ورجاء الثواب بالخير ورجاء توقي مصارع السوء، لأنه يرجو الثمرة من الخالق جلّ وعلا.
من صنائع المعروف التي تقي مصارع السوء ما نقدمه لإخواننا هنا من ذوي الحاجة والعوز حاجة رأي وتوجيه وحاجة تفريج كربة وأزمة وغيرها، وما نقدمه كذلك لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها هو من صنائع المعروف، من صنائع المعروف عاصفة الحزم التي هبّت نصرة لأهل الحق في اليمن وحماية لهم ولنا من جرائم الرافضة،
من صنائع المعروف تلك الجهود العسكرية التي تقدم لإعادة الأمن والأمل لليمن،
من صنائع المعروف تلك الجهود الفكرية والعسكرية التي تبذل مكافحة للخوارج بأشكالهم،
من صنائع المعروف جهود رجال الأمن في تثبيت الأمن وتنظيم السير وحماية الناس من كل مجرم ومستهتر، ومن صنائع المعروف أداء أمانة التعليم بكل عناية وجهد وتطوير وتحسين الأداء بما يتناسب مع الحال،
من صنائع المعروف صيانة المساجد بيوت الله وتهيئتها لضيوف صاحب البيت جلّ وعلا، ومن صنائع المعروف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البيت وفي الشارع، في جهة العمل وفي جهة التسوق وفي كل مكان، إنكار بالقلب وإنكار باللسان وإنكار باليد حسب الحال، ومع التطور التقني فلم يعد الإنكار القلبي كافيا ولا الإنكار باللسان كافيا حيث قامت الرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببرمجة تطبيق أسمته بلاغ عبر أجهزة الهاتف يتم عبره الإبلاغ عن أي منكر يُرى لتنتقل المسئولية من دائرة الفرد إلى تلك الجهة أعانهم الله ووفقهم.
ومن صنائع المعروف تلك الابتسامات التي نقدمها لبعضنا حينما نلتقي ونتصافح ومن صنائع المعروف لزوم الدعاء بصلاح الحال والدعاء بزوال المكروه والدعاء بدفع المتوجس منه.
عباد الله مع صنائع المعروف سنعيش في خير ونموت في خير ونحشر إلى خير فمما سبق من أدلة نؤمن بأن من ثمرات صنائع المعروف: درء مصارع السوء ، وتيسر أمور صاحب المعروف وتوفيقه ونصرته، وفوق ذلك كله مغفرة ذنبه ودخوله الجنة . ونؤمن بأن ما نقدمه لإخواننا سيكون سببا في فرحتنا وأمننا وأماننا في الدنيا وفي الآخرة.
تعليقات
إرسال تعليق