حطبة فضل وأهمية شهر شعبان
الحمد لله ولي المتقين، بنعمته تتم الصالحات وبفضله يفرح المؤمنون وبتجدد نعمه يدرك المؤمنون أنه ربٌ قريبٌ ودودٌ رحيمٌ أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله بعثه رحمة وبشارة للعالمين أجمعين تخلّق بالقرآن فكان على خلق عظيم وساد الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ } ويقول جلّ وعلا { وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ويقول سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
عباد الله ها هي أيامنا تترحل سراعا تُسابق أنفَاسنا، مضت الأيامُ والليالي سراعاً استمتعنا كثيرا وتألمنا شيئا قليلا، مطمئنين نسير، نفزع حينا ويُروعنا المرجفون أحيانا إلا أننا نمضي لا يتوقف بنا الزمن ولا نتوقف لأجل من رحل، نمضي تصحبنا ملائكة ربنا ترقب وتكتب، ملائكة يتعاقبون فينا صبحا ومساء وفي كل صبح وفي كل مساء ربنا يسألهم عنا وهو أعلم منهم بنا. ملائكة وقفت اليوم على ابواب المسجد وثقت من بكّر بحسب تبكيره وفات التوثيق من تأخر.
العمر ينقضي مرحلة ترحل ومرحلة تحل، نعيش ما بين ماض رحل ومستقبل ننتظر وأما الحاضر فلا يكاد يُذكر، في هذا اليوم بل في هذه اللحظة دخلنا اللحظة الأولى من المرحلة المتبقية من أعمارنا وما مضى قبل هذه الجملة مضى ولن يعود ، وكل لحظة تمر تنقل ما قبلها وتقرّب ما بعدها فالعمر يمضي والمهلة تتقلص ولابد من لحظة ليس بعدها لحظة لأنها نقطة النهاية نسأل الله طيب الحياة وحسن الخاتمة وجميل اللقاء به جلّ جلاله. عباد الله حلّ بنا شهر شعبان شهر يمهد لما بعده، شهرُ يذكّر بأننا يجب أن نسعى لنكسب فلا كسب لمن لم يستعد ويتجهز، ونبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ورأى منزلته في الجنة ويعلم ماذا أعد له كان خير من يستغل شهر شعبان في الاستعداد للتكسب من رمضان، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنها قَالَتْ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ } البخاري .
بيتُ عائشة رضي الله عنها كان هو المقر الذي تسكن فيه نفسُ النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره ومعها كان الأنس أكثر من غيرها، ولا يأتي سفيه يظن الأنس في الجنس فقط بل الأنس في وجه باسم وشراب مباح مشترك تحلو معه الأحاديث والانبساط وفي الغالب أن هذا لا يتوافق مع الصيام إذ الصيام له حضوره في القلب خشوعا وفي الجسد ضعفا ومن بعض الحديث المباح تحرجا، فلم تكن ترغب في حرمان النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الأنس بالصيام بالرغم من علمها بعدم ممانعته لصيامها لو أرادت ولذلك قالت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ } البخاري ففي صوم الزوج أو الأبوين لشيء من شعبان إحياء للشعيرة وعونٌ لبقية الأسرة على قضاء ما فات وعلى الاستعداد لرمضان والأسرة أمانة عند ربها.
وكان عليه الصلاة والسلام يحث على صيام شيء من شعبان ولو ليومين اثنين، ففي شهر رمضان سأل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمران بن حصين فقال له: أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت فصم يومين} متفق عليه. سرر الشيء قيل هي أوسطه وقيل آخره والمراد التنبيه على صيام ولو يومين من شعبان فلفضل صيامهما دعا عليه الصلاة والسلام عمران بن حصين لصيام يومين بعد الفطر بنية أنهما من شعبان. عن أُسَامَةَ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ} النسائي وأحمد.
شهر شعبان شهر قُرَبٍ وتعبدٍ استعداداً لرمضان يُستعدُ فيه بالصيام ويُستعدُ فيه بتلاوة القرآن تعويداً للنفس عليهما وتعليقا لها بهما وتهوينا على النفس العمل بهما إذا حلّ موسمهما فموسم العمل لا يصلح أن يكون موسم استعداد وهذا ما ضيّع مواسم كثيرة مضت أننا لا نبدأ حتى يحلّ الموسم فتضيع بدايته في الاستعداد وتضعف بعد أيام لتأخذ راحة ثم تندم إذا شارف على الانتهاء.
يُستعد في شعبان لرمضان بصفاء القلوب تجاه الإخوة والأحبة والمخالطين في السوق والعمل جاء في الحديث عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ } ابن ماجة وصححه الألباني والأرناؤوط والمراد هنا التقرب إلى الله تعالى بالعفو والتسامح عن الصحب والإخوان قبل ليلة النصف من شعبان فهذا هو العمل الأهم في هذا الشهر المهم وأما التقرب إلى الله في تلك الليلة بغير ما دعا له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبدعة محرمة تجلب لصاحبها غضب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الوفود على حوضه وتسبب إحباط العمل وإن كان المقصد صالحا { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً () الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } وكل من يتقرب بغير ما تقرب به النبي عليه الصلاة والسلام أو دعا إليه أو خصص زمنا لم يخصصه فهو لاحقٌ بهؤلاء الأخسرين.
عباد الله لنبدأ من الآن استثمار ما بقي من الأعمار فنستفتح المرحلة المتبقية بنية صالحة في صيام يومين فأكثر ونية البدء بالتلاوة سعيا لختم المصحف قبل رمضان نبدأ بالنية الآن والله مع الصادقين يعينهم ويتقبل منهم وإن قصروا، ولنتفقد من كان بيننا وبينه خصومة فلنحاول مسحها بزيارة ودية أو رسالة لطيفة خاصة له تصفو معها النفوس وتتساقط فيها الذنوب وتحلو الحياة بعدها، يقول الله تعالى { يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أصلح القصد وأصلح العمل وأصلح الصلة فأصبح من الآمنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، جعلنا الله وأحبتنا منهم ومعهم.
ثم صلوا وسلموا من بعثه الله رحمة وسلاما وهاديا ومعلما ومزكيا للنفوس الطاهرة صلوا وسلموا على من أحبكم وتمنى رؤيتكم فبالصلاة عليه يصلي الله عليكم ويرد هو السلام عليكم وتحظوا بشفاعته والقرب منه
تعليقات
إرسال تعليق