خطبة الجمعة ونهى النفس عن الهوى
الحمد لله العلي العظيم مالك الملك الحي القيوم، إله الحق له الحمد في الأولى والآخرة وهو الوليّ الحميد، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا من ثمرات حسن النوايا أن يحسن القول والعمل وأن يحسن اللقاء مع رب العالمين جل وعلا.
عباد الله في موقفٍ كلنا سنعيشه وفي لحظةٍ كلنا سنمر بها، حدثٌ لا مفر منه، حدثٌ وصفه الله تعالى بأنه طامة أي مصيبة عظمى لا شيء مما مرّ يوازيها ولن يمر بعدها شيء يماثلها يقول الله تعالى { فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى () يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى () وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى () فَأَمَّا مَن طَغَى () وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا () فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى () وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى () فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }
الطامة الصغرى هي النفخة الأولى سميت طامة لأنها تطم كل شيء عظيما كان أو صغيرا وتقطع كل عمل بل وكل تفكير في عمل، فلا عمل لحظتها ولا بعدها، موقف ذو هولٍ شديدٍ يستحيل معه حتى التفكير، فهي طامة قد قطعت كل صلة وكل تفكير بأهل وأحبة فضلا عن صلة بعمل.
والنفخة الثانية هي الطامة الكبرى لأن الله تعالى حاضر بذاته المقدسة فلا حكم ولا ملك إلا له جل جلاله.
هي الطامة الكبرى لأن الجميع محظرون ولا حيلة لهم إلا استرجاع الماضي فالذاكرة تعود بهم إلى الدنيا يوم كانوا قادرين على العمل، يوم كانوا يخيّرون بين الأعمال فينتقون ما يرغبون، كل تعود به ذاكرته يتفقد أعماله لعله يذكر عملا ينفعه اليوم، ولكنها ذاكرة عاجزة عن تقديم حل، تعود الذاكرة بصاحبها للدنيا ينظر ما كسب فيها لعله ينتفع به اليوم.
هي الطامة الكبرى لأن الحساب قد حلّ فالناس محظورون مجموعون والجنّة قُرِبت وزُينت للناظرين وجهنم سُعرت وأحضرت لها شهيق وزفير قد أمسكت الملائكة بها تجرها، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا } مسلم يقول الله عزّ وجلّ { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً () إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً () وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً () لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً () قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً () لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً }
كان على ربك وعداً مسئولا أن كل من طغى فترك ربه وترك ما يحب ربه ومال مع هوى نفسه استجابة لمشرك أو لمنافق، أو تصديقا لكاهن أو مشعوذ، كل من مال مع هوى نفسه في كسب محرم في ربا حصّله أو غشا وزورا تكسب به أو حاجة لإنسان استغلها فاغتنى على حسابه جشعا وظلما أنه سيحشر مع من طغى ودعا ثبورا كثيرا.
كل من مال مع هوى نفسه فآثر مجلسا يصده عن ذكر ربه، كل من مال مع هوى نفسه فترك صلاة الجماعة حبا في سعة صدر وضحك، أو حبا في دفء فراش، أو تمسكا بنوم لذيذ يكره أن يفسده، أو استدام العذر بعجزه عن الاستيقاظ بسبب سهره، فليحذر من الحشر مع من طغى ودعا ثبورا كثيرا .
كل من مال مع هوى نفسه معرضا عن شرع ربه فليحذر أمر ربه العاجل والآجل وليتذكر قول الله تعالى { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ () وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } وأما من خاف مقام ربه، خاف تلك اللحظة، علم أنها قادمة فعمل لها، علم أنها لحظة لا مناص منها فاستعد لها، علم أن الله تعالى يقول { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ () خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ }
علم المسلم أن ربه يحب منه أن يكون في المسجد يصلي مع المصلين فجاهد نفسه فيما يحب ربه، علم أن ربه جلّ جلاله جعل ثمة علامة بينه وبين عباده يوم القيامة لن يعرفها إلا أهل السجود حبا وتعظيما وخوفا ورغبا فيسجد اليوم علّه أن يسجد غدا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا } البخاري.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُخلّص أعمالنا لوجهه العظيم وأن يطهر قلوبنا من كل رياء وسمعة. وأن يبارك لنا في أعمارنا وسائر شؤوننا وأن ينفعنا بالكتاب والسنة....
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي جعلنا مسلمين ومنّ علينا باتباع خير المرسلين وبسلوك منهج محمد إمام وسيد الأولين والآخرين اللهم فصل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد عباد الله وفي هذا المقام أقول طوبى لكل مسلم ترك لذيذ الفراش ودفئه ليقوم مع المصلين في صلاة مشهودة ، طوبى لكل من فاتته صلاة الجماعة في مسجده فانطلق يبحث عن مسجد آخر يدرك معه صلاة الجماعة ، طوبى لعبد سمع النداء فأغلق محله وترك بيعه وشراءه استعدادا لصلاته بالرغم من أن في الوقت متسع، طوبى لمن خرج متنزها فرفع صوته بالآذان وجمع صحبه ليصلوا في جماعة، طوبى لعبد توقف في طريق سفره ليصلي فرض ربه، طوبى لكل عبد نهى نفسه عن هواها في كسب لا يحل لها أو شهوة لا تحل لها، طوبى لكل من نهى نفسه عن غيبة ونميمة وعن كل لذة قولية أو فعلية تسيء لغيرها. طوبى لكل من خاف مقام ربه فنهى النفس عن هواها الذي لا يحل لها، طوبى له لأنه بهذا يؤسس لنفسه مكانا بين الخيّرين، الخيّرين في الدنيا والخيّرين في الآخرة .
يقول الله عز وجل { إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ () وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ () إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ () أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ () فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ () فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ () عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ () يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ () بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ () لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ () وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ () كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ () فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ () قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ () يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ () أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ () قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ () فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ () قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ () وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ () أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ () إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ () إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ () لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ () أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ () إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ () إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ () طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ () فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ () ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ () ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ }
اللهم اجعلنا مقيمي الصلاة وذرياتنا وأعنا اللهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا اللهم من تلك الطائفة التي قلت عنها { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } والتي قلت سبحانك عنهم { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ () إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
تعليقات
إرسال تعليق